ذكر الملك فراوورت من 657-635ق.م
ولما مات الملك ديجوسيس تولى بعده ولده المدعو فراوورت، وكان ملكا مغازيا محبا للجهاد، ولا نعلم شيئا صحيحا من أخبار أوائل مدة حكمه غير ما يظهر لنا من أنه كان قد أشغلها بطرد الآشوريين من سائر الأماكن التي كانوا لم يزالوا عليها مستولين من بلاد ميد، ولم يبتدئ في مغازيه الكثيرة إلا في سنة 650ق.م، فأطاع أولا بلاد فارس الأصلية، وكانت في ذلك العصر قد أخذت في أن تتكون في هيئة مملكة متحدة بعد أن كانت قد مكثت مدة مديدة وهي متجزئة إلى عدة قبائل صغيرة متعددة، وكان ملك الفرس المسمى عند اليونان باسم آشيمينوس هو آخر ملك استقل بمملكة فارس الأصلية، ثم حاربه الملك «فراوورت»، وأدخله تحت طاعته، وإليه نسبت العائلة الأشيمينوسية، وهي التي تسمى عند العرب والفرس بعائلة الكيانية.
ولم تك همة هذا الملك قاصرة على فتح تلك الجهات، بل إنه أطاع لدولته سائر الأمم المتوطنين وراء جبال «هندوكوش»، وأدخل أيضا بلاد بكتريان «وبكترية» وملحقاتها من ولاية «هركانيا» والمرجيان والسوجديان تحت طاعته، وكانت الأمة الأرمينية مذعنة بالتبعة لسلطنته، وحيث كان الملك فراوورت قد استولى على جميع هؤلاء الأمم، وبذلك جعل المملكة الميدية سلطنة جهادية متسعة ودولة عسكرية حربية، وظن أنه يمكنه الاستيلاء على مدينة نينوى، وكانت قامت من سقطتها لسالف بهجتها وعظمتها بعناية الملك ديليلي، وشرع في أن يطيعها لدولته، لكن خاب أمله، وهلك هو وجنوده جميعا، وذلك في سنة 635ق.م.
ذكر الملك سياكزار من 635-595ق.م
ولما مات الملك فراوورت تقلد ابنه المسمى «سياكزار» بملك الميديين، فكان أكثر حبا للجهاد من والده، وفي مبدأ أمره خرجت عن طاعته أمة الفرثيين، فسار إليهم بجيشه وحاربهم وأطاعهم، ثم عزم على تتميم قصد والده، وهو فتح مدينة نينوى، ولحسن تدبيره وسياسته تعاهد مع ملك الكلدانيين، وهو نابو بولصر. وزوج ابنته لابن ملك الكلدانيين المذكور، وهو بختنصر السابق الذكر بشرط أن يقتسما دولة بني آشور، فاجتمع جيش الميديين مع الكلدانيين، وأغاروا على مملكة آشور، وذلك بعد وفاة ملكها «ديليلي» سنة 635، وحاصروا مدينة نينوى، إلا أن في ذلك الوقت نزل أقوام عديدة من السيتيين وشنوا الغارة على سائر البلاد الميدية، فرجع الملك سياكزار من الحصار وأراد أن يوقف إغارة هؤلاء الأقوام، فلم يمكنه وانهزم، واضطر لأن يصير تحت طاعة هؤلاء الأقوام المتوحشين، واستمروا مدة 19 سنة يخربون في بلاد آسيا إلى أن وصلوا إلى الديار المصرية، ثم قام الميديون وأشهروا لواء العصيان وطردوا من كان عندهم من هؤلاء الأقوام.
وبعد ذلك قام الملك «سياكزار» وجدد المعاهدة مع نابو بولصر لتنفيذ ما كان قد عقد عزيمته عليه، وتحبب إليه العزم على خراب مدينة نينوى، فقاما لحصار تلك المدينة، وظفرا بها تمام الظفر، وقسما البلاد الآشورية إلى قسمين، فأخذ الميديون جهة الشمال، واستولى البابليون على جهة الجنوب، ثم بعد ذلك بثلاث سنوات - أعني سنة 603ق.م - حصلت حروب بينه وبين ملك الليديين، تمت هذه الحروب أخيرا بالصلح بينهما، وتزوج ابن الملك «سياكزار» المدعو «إستياج» بابنة الملك أليات ملك الليديين.
ذكر الملك إستياج وزوال مملكة الميديين من 595-560ق.م
وكان إستياج بن سياكزار المذكور قد خلف أباه على سرير الملك في سنة 595ق.م، وكان ملكا ظالما، لا فخر ولا مجد له. وكان قد رأى في المنام أنه يعزله عن سرير مملكته ابن بنته المسماة باسم «مندانه»، وكان قد زوجها بولد من ذرية العائلة الفارسية القديمة، يدعى قمبيز - غير قمبيز الذي فتح مصر - فأراد أن يقتل الطفل الذي ولد لهما عند ولادته وهو «قيروش»، وكلف بهذه المأمورية رجلا من كبار ضباطه يقال له هرباجوس، وهذه القصة مبنية على ما حكاه أهل فارس نفسهم في حكاياتهم الأهلية ورواياتهم التاريخية، أن هرباجوس المذكور لما أمره الملك إستياج بفعل هذه المأمورية أخذته الرأفة على هذا الطفل، فألقاه عند راع من الرعاة، فلما كبر خرج ذات يوم يلعب مع الأطفال، ويجري صورة رسوم المملكة عليهم، ويلقي الأوامر العلية إليهم، فعرفه الملك بتقاطيع وجهه فأخذه إلى قصره وضمه إلى دولته، وانتقم الملك من هرباجوس المذكور بأن أطعمه لحم ابنه في هيئة لحم جدي مشوي، فحقد هرباجوس المذكور، وحمل قيروش على الخروج عن طاعة جده وساعده على ذلك، فعمل الحيلة، وتوصل لأن أشعل نيران الفتنة والعصيان عند أبناء أوطانه الأصليين؛ أعني الأقوام الفارسيين، وكان الملك إستياج قد أساء التدبير؛ إذ قلد هرباجوس هذا برياسة جنده المتوجه لقمع الفتنة لداعي ما كان قد أسره في باطنه من الحقد عليه بما أجراه من ذبح ولده وإطعامه إياه، فترك راية الظفر ومزية الغلبة لرئيس جند القوم الفارسيين على الميديين، فقام الملك بنفسه على رأس جنوده، وأراد أن يدفع الجنود الفارسية فلم ينجح ووقع نفسه في يد أعدائه، وكان قد مكث على سرير السلطنة مدة 35 سنة، وهو آخر ملوك الدولة الميدية. (2-3) تاريخ الفرس القديم