تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

في تفهمها لأبي العلاء قد تعلقت بمسألة العقل والقدرة المعجزة، وأدارت حولها كثيرا من القول. وما زلت من أجل هذا أوثر العناية بما بقي من جوانب المسألة، فأتناول بالقول ما ذكره أبو العلاء من أمر المستحيلات، ومن أي الأنواع هي؟ أعقلية أم عادية؟ فلهذا الاهتمام أتابع القول فيها ثم لما وراء ذلك من فهم الشخصية العقلية لأبي العلاء فهما يجلي وجه الرأي الذي نطمئن إليه في أمر صاحبنا.

أي المستحيلات؟

لم يذكر أبو العلاء هذه الأماني وهاتيك المقدورات التي تنالها القوة الإلهية، وتستطيع أن تتجه إليها المشيئة الربانية ذكرا مجردا عن الوصف، بل نعتها أحيانا بما تقف عنده لنرى صحته أو فساده، ثم لنرى دلالته على حظ صاحبنا من الثقافة العقلية والمقررات الفلسفية.

وهو يقول

32

في هذا الصدد: «... إن سمعت أن الرقيع

33

أمطر جندلا، وأبنت البقيع

34

مندلا، فقل: أما في المعقول فلا، وأما في القدرة فبلى ... العادات بإذن الله متغيرات ...» فهو كما تقرأ يمنع هذين الأمرين في المعقول فتخالهما بعبارته هذه من المستحيل العقلي، على أنه ما لبث أن عقب بقوله: العادات بإذن الله متغيرات، فآذن قوله هذا، بأنهما من المستحيل العادي، ثم تنظر أنت وراء هذا كله فتجد أن إمطار السماء جندلا قد دعا به الكفار في قول القرآن

وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم

وهذه هي السماء تقذف بشهب وصواعق هي من الحجارة وما إليها، فليس الأمر حتى من غير المعتاد، فيعد مستحيلا عاديا، وأما أن تنبت الأرض عودا مهما يكن حالها أو يكن فيها من أصول الشجر، فذلك ليس ببعيد أيضا، فكيف جعلهما أبو العلاء من العادات المتغيرات بإذن الله؟! ثم كيف جعلهما مما ليس في المعقول، فقال: أما في المعقول فلا ...؟! أما إنه لو قال: أما في المعهود فلا، لاتسقت هذه مع قوله: العادات بإذن الله متغيرات. وإن لم يظهر لنا أن هذا من المستحيل العادي فليكن من غير المعتاد أي من غير المألوف مثلا. وفي كل حال فعبارة صاحبنا ليست سليمة.

وتدع هذا إلى قوله في وصف القدرة الإلهية فترى منه أولا ما يستقيم؛ كقوله: «ولا عجب من أمر الله ولمشيئة الله النفاذ.»

35

أو قوله: «رحمتك مكون المعجزات.» أو قوله: «الله القادر على كل بعيد.» فإنه لا بأس به، لكنك ترى إلى جانبه قوله: «لا يعجزك ممتنع في العقول.»

36

مع قوله:

37 «يقدر الله على المستحيلات، رد الفائت، وجمع الجسمين في مكان؛ إذ كان لا ينسب إلى عجز ولا انتقاص، فإذا مررت بعود بال، فاعلم أن الله يستطيع أن يكسوه أخضر كخضرة الحسام حتى يورق ورقا كعدد الرمال.» فتقرأ أن القدرة تنال الممتنع في العقول وما لا تحتمله الألباب. وبين هذين قوله: «يقدر الله على المستحيلات.» فتشعر أنه يريد المستحيلات العقلية، ويجهر بتحكيم هذه القدرة في هذه المستحيلات العقلية!

38

ولكن كيف والمتكلمون يقررون أن قدرة الله لا تتعلق بهذا المستحيل العقلي، كما لا تتعلق بالواجب؛ لأن ذلك المستحيل - كما عرفت قريبا - ممتنع في العقل وجوده، ممتنع ثبوته. ولا يقال: إن الله قادر على كذا من المستحيلات عقلا، وإلا كان عاجزا كما يقول الشيخ: «إذ كان لا ينسب إلى عجز ولا انتقاص.» فقوله في هذه المواضع خطأ عند الكلاميين الدينيين بعدما استسلم إليهم في نفي الأسباب وتغير النواميس، وكأن الشيخ بعدما أخل بأصول التفلسف قد أخل مع ذلك بمقررات التدين. وما أحسبه إلا في غمرة من النشوة الوجدانية في عالم التقديس والتمجيد الذي ردد فيه تسبيحات الفصول والغايات، قد اندفع اندفاع المتفنن، لا يرعى حرمة المصطلحات، ولا يلتزم تدقيق المتفلسفين حتى ولو كانت فلسفتهم لاهوتية دينية! ما أحسبه من الناحية النفسية إلا كذلك، ومن هنا كان يذكر الممتنع في العقول وما لا تحتمله الألباب، ثم إذا به يقفي باخضرار العود البالي، وليس ذلك مما يمتنع في المعقول، وليس مما تحتمله الألباب، بل هو عادي قريب، والشجر يخرج من الشتاء باليا، بل محترقا في البلاد التي يسقط فيها الجليد، ثم إذا هو أخضر مزهر ومثمر في الربيع ...!

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٣٣