تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا يبدهك في الإجابة عن هذا السؤال ما قرأته لأبي العلاء من نتائج بحث - إن تساهلت فسميتها كذلك - فلا تعرف له نتيجة ثابتة لم يخالفها، ولم يقرر غيرها، فإلى أي نتائج بحثه كان يستند سلوكه، وقد قال الشيء وضده دائما، أو على الأقل، فيما قرأت هنا من أمور الحياة العملية؟! وإذا لم تعرف إلى أي نتيجتي بحثه، وأي عبارتي قوله استند فعله، فقد بقي أن فعله لا يستند إلى شيء من قوله، ولعل هذا ما نستطيع القول به حين نتحدث عن «أبي العلاء بين قوله وفعله» فيما يلي من هذا الرأي.

فلو كانت العزلة والوحدة - كما دعا إليها وحبب فيها أحيانا - لوجب أن يلتزم العزلة دائما. ولكنه لم يفعل هذا - كما سترى - ولو كانت العزلة غير محبوبة، والاختلاط والتعاون والسعي في الأرض خيرا لوجب أن يكون ذلك عمله، ولكنه كذلك لم يفعل هذا دائما، أو لم يفعله على وجهه؛ فقد حاول العزلة، وأعلن أنه صمم عليها ، ولكنه ظل يختلط ويدرس ويتثقف، ويلقى الناس كثيرا أو قليلا!

ولو كانت الحياة كما كرهها، وكره فيها، لحرص على التخلص منها، ولكنه رغب في هذا التخلص ولم يفعل.

ولو كانت الحياة محببة بالغريزة وهو يحبها، كما قال، لأقبل عليها واطمأن إليها، ولكنه لم يفعل ذلك خالصا ولا متسقا. وفي كل حال فإن صلة ما بين قوله وعمله لم تجر على دستور الفلاسفة المعروف، الذي قرأت تقريره في قول مفلسفي أبي العلاء أنفسهم. وقد فعل أشياء وافقت بعض قوله، ولكنها خالفت كذلك بعض قوله، فمال إلى الإقلال والقناعة، وكف عن التكثر والتمتع وترك الزواج، وبذلك لم ينسل، وأنت غير مستطيع أن تجعل هذا موافقة لقوله، أو لنتيجة بحثه؛ لأنه يوافق بعض القول حين يخالف بعضه، فبقي أن تلتمس مرجحا آخر غير هذا القول المتفلسف، أو التفلسف الباحث. قد كان سبب ما جنح إليه أبو العلاء في أمر حياته ونظامها، وهو ما وعدناك أن نعود إليه بعد الانتهاء إلى وجه الرأي في تفلسفه الذي رأينا منه حتى الآن: أن أبا العلاء لا يظهر فيلسوفا بالمعنى المعروف لهذه الكلمة، ولا له فلسفة خاصة تقوم على منهج تفكير، وأسلوب بحث، ومذهب في المعرفة، وتقرر آراء واضحة معينة، وإننا لهذا لا نجد حتى الآن ما يدلنا على أنه قد كان فيلسوفا حقا، بل إنا لنجد غير قليل مما يدلنا على ...

| إخلال أبي العلاء بمنهج الفلسفة

فمن ذلك:

أولا:

أن هذه الفلسفة ليست إلا البحث الحر، لا يحد نظر المفكر فيه حد، ولا يحتكم في عقله غير منهجه، فهو لا يعترف بأسرار محجبة، ولا يسلم بوجود مناطق في الكون محرمة على العقل، وذلك جلي في طابع التفلسف لا يحتاج إلى فضل بيان أو تأييد، ولكن صاحبنا يخل بهذا في مثل قوله بعد حديثه عن الروح:

وروم الفتى ما قد طوى الله علمه

يعد جنونا أو شبيه جنون

2: 310

فيجعل في موضوع البحث والتفكير ما طوى الله علمه، ويرد العقل عنه، بل يقسو في رده، فيعد رومه معرفة هذه المطويات جنونا أو شبيه جنون! وإنك لتقرأ هذا في حديث من سموه فيلسوفا عن الروح، فتذكر حين تقرؤه أن الغزالي - وهو رجل قد عادى الفلسفة وناهضها، ووقف في وجه حريتها العقلية بكل ما يستطيع - يسمع قول القرآن كتاب دينه عن الروح:

قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ، فلا يمنعه ذلك من تقرير إمكان التحدث في الروح، وتفسير كونها من أمر ربه تفسيرا لا يجعل رومها جنونا، ولا شبيه جنون، كما يقول أبو العلاء المتفلسف الموصوف بالجرأة.

وإني إذ أقرر ذلك لأذكر أن أبا العلاء - كدأبه - قد قال ما يغاير هذا المعنى حين رأى أن الظن والتجربة كافيان لمعرفة الغيوب:

إذا قرن الظن المصيب من الفتى

بتجربة جاءا بعلم غيوب

فلم يثبت على رأيه حتى النهاية، وإن كان هذا القول الأخير لا يناقض المعنى الأول تماما؛ إذ قدرة العقل بالتجربة على علم غيوب لا تنفي أن في الغيوب مناطق قد طوى الله علمها فلا ترام، ورومها جنون أو شبيه جنون ...!

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسه · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رأي في أبي العلاء: الرجل الذي وجد نفسهص ٢٨