3
خامسا:
إن الفلسفة إنما تتميز بتأثيرها على سلوك الفيلسوف، وعدم اختلاف قوله عن فعله، وهي بذلك تفترق عن العلم؛ إذ تطبع فلسفة الفيلسوف سلوكه، ولا كذلك يفعل العلم؛ فالفيلسوف الذي انتهى به الدرس الباحث إلى كذا من الرأي في الخلق والعمل، لا تجده يخالف هذا الذي ذهب إليه وانتهى به درسه، على حين ترى العالم الرياضي أو الميكانيكي مثلا، بوهيمي السلوك، مشوش العمل، مضطرب التناول، رغم ما وقف عليه حياته من دقة وضبط، وتحديد ونفاذ. وإنما نعني بالفيلسوف والعالم الأصيل منهما صاحب الصفة الكاملة فيهما؛ فالفيلسوف هو المفكر المتأمل الأصيل الذي يسخر قواه لمعرفة الوجود، ويتبع عمله رأيه، وليس هو متعاطي الفلسفة قراءة أو تعليما أو ترجمة أو نحو ذلك من اتصال قد تبعث عليه أناقة، أو طرافة، أو تلهية، أو تكاثر، أو نحو ذلك مما يقع للمتصلين بالفلسفة، والواصلين أنفسهم بها، أو الذين وصلتهم ظروف الحياة بها، فهؤلاء هم من لا نعنيهم إذا أشرنا إلى تأثير التفلسف على السلوك، وطبعه له، وتوجيهه إياه، فلا يشتبه الأمر في ذلك.
وهذا التأثير للفلسفة على السلوك مما لحظه مفلسفو أبي العلاء في هذا العصر؛ فعقد الأستاذ الدكتور طه حسين بك في كتابه «ذكرى أبي العلاء» فصلا عنوانه: هل أبو العلاء فيلسوف؟ أورد فيه تعريف الفيلسوف، وبين تحققه في أبي العلاء، وإليك قوله بيانا لفكرة تأثير الفلسفة على السلوك، فهو يقول:
مهما كان أصل هذا اللفظ في اليونانية، ومهما كانت معانيه عند المسلمين، فإنا نفهم منه رجلا درس
4
العلوم الطبيعية والإلهية والخلقية درسا علميا متقنا، وبسط سلطانها على حياته العلمية وسيرته الخاصة، فلم يكن تناقض بين هذه العلوم وبين أعماله، وكذلك كان الأقدمون من فلاسفة اليونان يفهمون هذا اللفظ؛ فالرجل الذي أتقن هذه العلوم، ولكن حياته تناقضها، فهو يعرف الفضيلة ويناضل عنها، ولكنه لا يصطنعها في سيرته، ليس بالفيلسوف عندنا الآن، وإنما هو عالم بالفلسفة، والرجل الخير يؤثر الفضيلة ويحرص عليها؛ لأن نفسه قد فطرت على ذلك من غير أن يكون متقنا لهذه العلوم ليس بالفيلسوف عندنا الآن. أيضا، وإنما هو رجل خير فحسب، فإذا جمع بين هذين الطرفين فأجاد الحكمة علما وعملا - أي بحث عن حقائق هذا العالم - وكانت حياته موافقة لنتائج بحثه، فهو الذي نفهمه في هذا الكتاب من لفظ الفيلسوف أو الحكيم.
وهذا الذي فهمه الأستاذ، وانتهى إليه من أن الفيلسوف بحث عن حقائق هذا العالم، وكانت حياته موافقة لنتائج بحثه، هو ما نريده هنا من الفيلسوف أو الحكيم، لكن الأستاذ تقدم بعد ذلك فيما يلي من هذا الفصل لإثبات هذه الصفة لأبي العلاء فقال:
إذا صح هذا فما قدمنا في المقالة الثانية من سيرة أبي العلاء وأخلاقه وحياته في منزله وبين الناس، ومن درسه للفلسفة في أنطاكية وطرابلس وبغداد، يدلنا على أنه قد كان فيلسوفا حقا، كما سيدلنا على ذلك درسنا «للزوميات». ا.ه. من (ذكرى أبي العلاء ص329-330، من الطبعة الأولى).
ونرجع إلى المقالة الثانية فنقرأ أنه: كانت بأنطاكية مكتبة عربية تشتمل من نفائس الكتب على عدد غير قليل، فحفظ منها أبو العلاء ما شاء الله أن يحفظ، (الذكرى ص154، ط أولى)، وأن أبا العلاء وصل إلى طرابلس، وكانت بها مكتبة كبيرة، وقفها أهل اليسار، فدرس أبو العلاء منها ما شاء، ثم عاد إلى معرة النعمان (الذكرى، ص157، ط أولى)، وأما في بغداد «فمما لا شك فيه أنه لم يجلس مجلس التلميذ من أحد (الذكرى، ص190، ط أولى)، ولم يكن في بغداد أستاذا ولا تلميذا، وإن كان قد زار مكتبتيها، وقرأ ما فيهما من كتب الحكمة، وحضر المجمع الفلسفي بدار عبد السلام البصري (المصدر السابق، ص192)، وإذا ما كان درس أبي العلاء للفلسفة في أنطاكية وطرابلس وبغداد أيضا هو الحفظ من المكاتب، فإنك لن تطمئن إلى أن هذا هو البحث عن حقائق العالم الذي عرفنا أنه شطر عمل الفيلسوف، على أنك تجاوز هذا، وتفرض أن أبا العلاء أجاد الحكمة علما وعملا - أي بحث عن حقائق هذا العالم - وتسأل: أكانت حياته موافقة لنتائج بحثه كما يجب أن يكون الفيلسوف في تقرير مفلسفي أبي العلاء أنفسهم»؟