تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما محاولة العناية بالإقليمية اليوم إلا لونا من مدافعة هذه القوة الدامغة، ومناضلة هذا الطابع الدامغ الراسخ، وهي محاولة لا خير فيها لدعاتها، ولا خير فيها لمن يراد تحقيقها لهم؛ لأنها لن تكون أكثر مما مضى من نظائر، وما تكرر قديما من أشباه، تضاءلت جميعا أمام ما صاغ الإسلام من نفوس أولئك الأتباع ، وما خلف في قرارة أرواحهم من أثر. •••

والمصغي لهذا القول يستمع منه أنغاما لاهوتية تعتز فيها العروبة بالإسلام، ويدرك من خلاله ما قد يفصح عنه أصحابه في غير هذا الموضع؛ إذ يصلون بين العرب والإسلام، أو يرونهما في حساب الحياة والتاريخ شيئا واحدا. وهو رأي حظه من الصواب محدود، أو هو معدوم؛ فالإسلام عدو هذه العصبية بدمائها وأنسابها وأجناسها، وما قبل ولن يقبل يوما أن يعرج منها على شيء، أو ينصر منها شيئا. وإذا كان العرب هم الذين تلقوا الإسلام، ثم لقوا الناس به، فلن يجعل صنيعهم هذا الإسلام دينا عربيا، ولا دينا عصبيا، ولا دعوة محدودة الأفق ضيقة العطن، على نحو ما تتكثر به الشعوب حينا ما، أو تعتز به الأمم، أو تستغله الدول، وتتجر به السياسة.

وهذه الدعوى التي تصل بين الإسلام والعرب تلك الصلة، دعوى تعاون في تأييدها عناصر سياسية أو دينية السمة، لا إخال الإسلام يبقي منها على شيء، ما دام هو ذلك الدين الإنساني العام العالمي الصالح للبقاء.

وإنه لعجب من العجب أن هذه العروبة التي اعتزت بالإسلام يوما، واستندت إليه في لون من النضال السياسي، لم تلبث حين تغيرت بها الأحوال أن حورت في موقفها، وجعلت العروبة هي الشرق، والشرق هو العروبة، يستظهر فيها العرب المسلمون بقديم القول فيما بين الإسلام والعروبة من صلة، ويخافت غير المسلمين من العرب ويجمجمون بذلك في خفية، ليجهروا بعدها بأن العروبة هي الشرق، وأن الشرق هو العروبة. وتلك وأشباهها تيارات تحركها رياح وأنواء متغيرة، ولا يثبت مثلها على الزمن، فلا يقف عند مثلها العلم، مهما تدوي في الحياة، أو تحدث من ضجيج.

وفي حساب العلم يجب اطراح ذلك كله، وتجريد هذا الاعتراض من الخلط بين الإسلام والعروبة حينا، أو بين الشرق والعروبة حينا، لننظر بعد ذلك في أصل ما يدعيه هؤلاء القائلون من انسياح العرب في تلك الأقطار المستعربة بتعريب الإسلام، وأنها صارت إلى عروبة موحدة، يصح بعدها أن يؤرخ أدبها الواحد، على أنه كائن عربي متماسك، لا ينظر في جزء منه إلى إقليميته، ولا يقدر فيه أثر بيئته. •••

ننظر في هذه الدعوى بعد أن جردناها من الاستظهار بالعاطفة الدينية في الجمع بين الإسلام والعربية، وبعد أن أبعدناها عن السياسة، في اعتبار الشرق هو العروبة والعروبة هي الشرق، ننظر فيها بعد ذلك كله، غير منكرين مطلقا أن هذه الحركة الدينية التي دفع الإسلام إليها الحياة الإنسانية بقيامه وامتداد دولته، حركة كانت إنسانية وكانت تمدينية تمتاز عن غيرها من الفتح والتمدين، بأنها كانت صاحبة رسالة حضارية، ودعوة إصلاح اجتماعي. وقد يقوم الفتح على رغبة التوسع وحب السيطرة وحق القوة، فيختلف بذلك في نشاطه وفي نظر الناس له، وفي قبولهم لدولته، عن مثل هذا الفتح ذي الرسالة والدعوة، وبذلك يكون لهذا الأخير ما له من الميزة، والفروق في سيره وسرعته، ومدى نجاحه، وما إلى ذلك، فيظفر بما يفترق به عن غيره، لكن دون أن يكون ذلك أعجوبة لم تجر على ناموس، أو معجزة لم تنطبق على سنة، ولا يضبطها قانون.

ومن هنا ننظر في هذا القول، مقدرين أن الإسلام - وهو دولة ذات هدف، وفتح ذو رسالة - قد خلف في حياة من جاءهم آثارا أبقى من غيرها وأعمق، فكانت في حياتهم أطول عمرا، وفي كيانهم أرسخ مدى، وذلك إذ جاءهم على فترة من الإصلاح وظلم من الحكام، وحاجة إلى الحق، وظمأ إلى العدل، وهيأ لهم من ذلك ما خفف لأواءهم، وأراح أفئدتهم ... كل ذلك قد كان، أو بعضه الذي كان. فهو سبب بين، ووجه جلي لما ظفر به هذا الأثر الإسلامي من رسوخ وخلود، دون أن يكون ذلك لونا من الأعاجيب، أو ضربا من الخوارق، أو عملا شاذا في حساب الحياة وسيرها.

في الأدب المصري · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ٨