والمقدسي الذي وردت الإشارة إليه في عبارة الكاتب السابقة، قد بسط في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» ألوانا مما تفاوتت فيه هذه الأقاليم في حياتها، فذكر نقودا مختلفة، وموازين ومكاييل متغايرة، كما أشار إلى طرائق تعليم، وعلوم، وآداب، وثقافات متعددة؛ وذكر أحيانا أزياء لا تتشابه في تلك الأقاليم، وألم بمختلف العادات في تناول الحياة، وعرض لاختلاف أخلاق الناس في تلك الأنحاء. وللقدماء أنفسهم في اختلاف الأخلاق باختلاف البلاد فكرة واسعة متأصلة، نلمسها دائما في كتاباتهم عن البلدان، فنجدها عند «ياقوت» في معجمه، كما نجدها عند «المقدسي» وعند غير هذين أيضا، حتى صار من كلماتهم المشهورة: «للبقاع تأثير في الطباع».
3
وقضية تكون العادات والأعراف نفسها واستقرارها في بحث النفس البشرية، تشهد باختلافها الشديد وتفاوتها العنيف، بل قضية الفقهاء المسلمين أنفسهم تقضي بهذا الاختلاف، إذ يعللون به اختلاف رجال المذهب الفقهي الواحد في الآراء، بعد ما يتأصل بينهم من وحدة الأصول، واستقرار وجهات النظر الأساسية.
وهكذا جعل هؤلاء الفقهاء العرف من مناشئ اختلاف الحكم الشرعي، وعدوا هذا أصلا مقررا، وإذا ذكر العرف والفقه، تذكرنا أن الشافعي في نحو خمس سنوات وشهور - بين شوال 198ه، ورجب 204ه - أقامها بمصر، قد خلف مذهبه الفقهي الجديد، بعد مذهبه القديم في المشرق - العراق والحجاز - فما بال هؤلاء الباحثين ينسون مثل تلك الحادثة المشتهرة حين يتحدثون في الأدب والفن؟ ومثل أولئك أخلق بالاختلاف والتفاوت - بل التباين - من التشريع العملي والفقه التنظيمي، الذي يسوس علاقة ما بين الناس في أمور مادية منضبطة، أصلها كلها واحد، ومصدرها بيان واحد، أو عمل واحد. •••
لعلنا حين نقدر ذلك ندرك أن طواف ناصر خسرو أو أمثاله من المطوفين، لا يكفي لأن ينهض حجة علمية، وسندا لباحث يتحدث عن اختلاف البيئات وتفاوت الفنون، وتغاير ذلك بمعالم كبرى من الجنس والدم، والثقافة والبيئة والوراثة، وما إلى ذلك مما يكفي أقله لأكثر من مثل هذه الدعاوى في الاختلاف والتفاوت! نعم لن ينكر أحد أن هذه الجماعات كانت تلوذ بأصل واحد هو القرآن، وتجمعها معالم كبرى موحدة، ومظاهر عامة مشتركة، مما يلتقي حول مثله الناس في حياتهم. لكنه لا يكفي لأن يصرف الباحث عما بينهم وراء ذلك، من خفي عوامل التفريق وظاهرها، وكانت هذه الظواهر المشتركة، والخطوط الرئيسية الكبرى الموحدة، هي التي تقرب ما بين قلوب أصحاب الدين الواحد، وتيسر للراحلين الأنس والألفة لأهل هذه البلاد، واستطاعة التقلب بينهم. وشاهد هذا اليوم قائم قريب، فقد قصدت في رغبة قوية إلى زيارة المناطق التي فيها مسلمون بأوروبا الشرقية، كرومانيا ويوجوسلافيا وغيرهما، وكانوا يأنسون بي وكنت آنس إليهم، ولعل ذلك كان بيننا متبادلا وقلبيا، أكثر مما بين هؤلاء ومواطنيهم من غير المسلمين، وإن لم يقم هذا على شيء من أصول الوحدة، ووشائج الامتزاج التي تؤلف بيننا، أكثر من العقيدة المشتركة، والعاطفة الدينية المتبادلة.
على أن هذه الدولة الإسلامية التي كان يسهل على السائح التنقل بين أطرافها المترامية، مهما يكن فيها من أسباب التوحد فوق العاطفة الدينية، فإن تلك الأسباب مهما تتعدد، لن تزيل منها مظاهر اختلاف، ومعالم افتراق، أوضح وأجلى من أن تخطئها عين باحث غير عشواء. وإذا كان السفر في ألمانيا في القرن الثامن عشر الميلادي لم يتهيأ للراحل، فليس تهيؤه في المشرق للمسلم دليل توحد، ولا برهانا كافيا لنسيان الواجب العلمي، وإهمال حقيقته الناطقة في إقليمية الأدب.
ومما سمعت من اعتراض المعترضين على الإقليمية في نقاش وحديث:
أن هذه الأقاليم بعد الفتح الإسلامي وانسياح العرب فيها، لم تعرف إلا العروبة التي أتمت تلك المعجزة الاجتماعية، حين ذهبت في الأرض تحمل قبس الدعوة الإسلامية، تعطي بيمينها هذا الهدي الديني، وتتم بيسارها هذا الصوغ الفني. أليست العربية قد صارت لغة كل أولئك الأقوام، فنسوا بها ما سجل آباؤهم في صفحات الدهر، مهما تكن صفحات خالدة، وانصرفوا لا يلوون حتى على الصخور الثوابت، والأهرام الرواسخ، قد استعربوا لغة ومزاجا، وفنا وعقلا، كما أسلموا، أو حمدوا للإسلام ما هيأ لهم من ذمة وعهد لا يخيس ولا يخفر؟ ولا تحسبن هذا الذي يوصف من الخلق الاجتماعي الجديد الذي أتمه الإسلام بدعا من السنن الاجتماعية، ولا خروجا على النواميس الكونية، فإن له لنظيرا أو نظائر، في محاولات الإسلام الأخرى؛ فالفتح الإسلامي قد أنجز في سرعة لم تعهد من قبل، ولو قيست بغيرها من صنيع الدول الفاتحة؛ لأزرت به في غير جدال؟ وها هو ذا ما بقي من أثر إسلامي في تلك البيئات التي جاءها الإسلام، تراه أثرا قد أربى في ثباته ورسوخه وبقائه وصموده، على كل ما عرفت تلك الأودية والأقاليم من آثار أمم أخرى عمرت الأرض أكثر مما عمرها المسلمون، وكانت أشد قوة، وأكثر جمعا، ولكنها زالت وامحت آثارها، بعد يسير من الزمن، ولم يبق منها ما بقي من طابع الإسلام في حياة أهل هذه البلاد. فإن كانت للفتح الإسلامي تلك السرعة المسرفة، ولاستعماره ذلك البقاء العتيد، فلا تعجب لقولنا إنه مسح بيده القادرة على ماضي تلك الأمم، وأنساها قديم شخصيتها ونفسها، فيما أنساها من لغة لها، وما أنساها من دين، وما هون عليها من حرمة ماض موغل في القدم، ذاهب العرق في الزمن.