تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإني من جانبي لشديد الإصاخة إلى هذا النقد، والالتماس لذياك التصحيح، وفي سبيل ذلك سأقف عند مكتوبات ومقولات، لعلها هينة، يسيرة الخطر، ولكنها الحقيقة المحببة لذاتها، والتحري الواجب أمانة للدرس، آخذ نفسي به، وألتزمه؛ ليكون القول بالإقليمية نزيها صحيحا ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

حول الإقليمية «إن رأي الإنسان في أي موضوع - غير الرياضيات والطبيعيات - لا يستحق اسم المعرفة، ما لم يكن صاحبه قد سلك في تكوينه طوعا أو كرها، تلك الطريقة التي ينبغي عليه اتباعها في مجادلة خصم عنيد، ومناظرة قرن شديد.»

ستيوارت ميل

إذا ما كانت إقليمية الأدب هي قضية العلم في تاريخ الأدب وحياته - وإنها لكذلك لا غير - فلا موضع بعدها للعب بالألفاظ وإثارة جدل نظري الأدلة والمقدمات، ولكنها الرغبة الصادقة في أن يطمئن الدارس للفكرة اطمئنانا لا ينفره عنه تشكيك لفظي، ولا ترديد كلامي؛ ومن أجل ذلك أوثر أن أعرض لما شاع حول هذه الإقليمية من ريب أو ظنون، سمعت بعضها من أفواه قائليه، وقرأت بعضها في كتابتهم. ولئن آثرت النظر في المكتوب من ذلك أولا، فليس لفضل قوة فيه، من أجلها أقدمه؛ وإنما لأنه أكثر تحددا بعبارة صاحبه ضبطا في نصه.

والذي قرأت من ذلك مكتوبا هو فصل لأحد أبنائنا الجامعيين من رسالة في العالمية، كل قيمته أنه مما جرى به قلم شاب، والشباب أقبل للجديد، وأكثر إقداما على التصحيح، على حين هم أقوى شعورا بالشخصية والقومية، لما تنبه إليه عصرهم منها، وما جاهد به في سبيلها، فمما ورد في إنكار الإقليمية قوله: «فنحن نجد المؤرخين للأدب العربي يذهبون إلى أنه وجدت آداب قومية في المملكة الإسلامية مع ابتداء القرن الرابع الهجري.» كما يقول: «ونحن نعود فنحترس ثانية من فكرة الإقليمية في الأدب العربي، وما يذهب إليه الباحثون من أنها نشأت مع القرن الرابع.»

ومع أن فكرة الإقليمية في أصلها لن تحتمل التعرض لتقرير مثل هذا القول الجامع عن المملكة الإسلامية، ولن تطمئن إلى شيء من هذا التحديد بقرن خاص تعده بدءا موحدا، لظواهر متفاوتة مختلفة، لا تعترف لها بوحدة؛ فإنا مع ذلك كله لا نعرف من مؤرخي الأدب العربي من ذهب هذا المذهب في تحديد الزمن، إلا أن يكون ذلك لمحا سريعا غير منضبط من صنيع «الثعالبي»، حين ألف كتابه «يتيمة الدهر» عن شعراء الأقاليم، كما تشير إلى ذلك عبارة هذا القائل حين يقول: «ولعل صاحب اليتيمة هو أول من أعد لهذه الفكرة؛ إذ قسم كتابه إلى أقسام أربعة بحسب الدول والأقاليم.» وفي كل حال، إذا كان من مؤرخي الأدب العربي، أو من الباحثين من ذهب إلى هذا التحديد، فإن هذا التحديد الجامع الموحد لنشأة الآداب الإقليمية، خطأ يناقض الأساس العقلي الذي قامت عليه فكرة إقليمية الأدب، وهذا الأساس هو: «أن لكل بيئة منفردة مزاياها وخصائصها التي تنفرد بها بين الأقاليم، وتلك المزايا والخصائص هي التي توجه الحياة الأدبية فيها وتؤثر في سيرها، وباختلاف هذه المميزات المادية والمعنوية تختلف حياة الإقليم الأدبية، ويختلف نظام سيرها، من نشأة وتدرج وتفرع، وعلى هذا فلا محل لحذر الكاتب وتحذيره حين يقول: «ينبغي دائما أن نحذر تحديد نشوئها - الآداب الإقليمية - لأن أحدا لم يعن بهذا اليوم».» •••

وفي بيان مخالفته لفكرة الإقليمية، يقول موضحا وجه احتراسه من الفكرة ما عبارته: «فقد كان العالم الإسلامي حتى هذا القرن - الرابع - لا يزال متشابكا بالرغم من ظهور الأوطان السياسية، ولم تظهر بعد الصفات التي تميز وطنا عن وطن في العلم أو في الشعر. وقد اعتبر المقدسي مملكة الإسلام تمتد من كاشغر في أقصى المشرق، إلى السوس الأقصى في المغرب. وقد حددها ابن حوقل في الشرق بأرض الهند وبحر فارس، وفي الغرب بمملكة السودان الذين يسكنون على المحيط الأطلسي، وفي الشمال ببلاد الروم وما يتصل بها من الأرمن واللان، والران والخزر والبلغار والصقالبة والترك والصين، وفي الجنوب ببحر فارس. ويلاحظ الأستاذ «آدم ميتز» أن المسلم كان يستطيع أن يسافر في هذه المملكة فلا يشعر بوحشة؛ إذ يجد شريعة واحدة، وعرفا وعادات واحدة. ويلاحظ أيضا أن ناصر خسرو طوف في هذه المملكة أثناء القرن الخامس الهجري، دون أن يلاقي من المضايقات ما كان يلاقيه الألماني الذي كان يسافر في ألمانيا أثناء القرن الثامن عشر الميلادي.» •••

في الأدب المصري · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ٥