تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعمل هؤلاء الدارسين لتاريخ الأدب على نظام العصور الزمنية، متناقض متدافع؛ فهم حين يزعمون أنهم يدرسون تاريخ الأدب في عصر من العصور، إنما يقصرون جهدهم العملي على بيئة واحدة من تلك البيئات المتعددة التي غشيتها اللغة العربية، ونشأ فيها أدب عربي. فيعنون بالعراق وما حوله من الشرق القريب مثلا، حتى ليجدوا في أنفسهم الحاجة الشديدة إلى أن يفردوا بالبحث أقاليم أخرى، يدركون بعدها واضحا كالأندلس مثلا. وما المغرب، أو أقصى المشرق، بأقل حاجة إلى الإفراد بالبحث من الأندلس، بل إن مصر تحتاج إلى مثل ذلك الدرس المفرد تماما إذا ما أنصفنا.

وأخيرا - بل أولا كذلك - نحن نرى العلم يقرر أثر البيئة فعالا عنيفا ينازع الوراثة أثرها، فكيف يريد علماء تاريخ الأدب أن ينسوا أو يهملوا تأثير البيئة؟ وكيف يريدون أن يجعلوا هذه الدنيا العريضة التي حكمها الإسلام، وسكنتها العربية، بيئة واحدة؟! ذلك ما لا قوة لمنصف عليه.

فالرأي الصائب أن يعدل مؤرخو الأدب عن توزيع دراسة الأدب العربي الإسلامي على عصور زمنية، وأن يقدروا الأثر القوي لكل بيئة نما فيها أدب عربي، وأن يتتبعوا هذا الأثر بالدرس المستقل، وأن يدرسوا العربية في المواطن المختلفة التي نزلتها، موطنا موطنا، فيكون أساس التقسيم هو اختلاف البيئة وتغايرها، ووحدة المؤثرات المادية والمعنوية فيها - وإن لم يسر ذلك مع التقسيم المتعارف عليه للأقطار والبلدان - بل تفرد كل بيئة متجانسة بدرس خاص، لا كل قطعة من الزمن ببحث.

ولقد تكون حول نظرية «البيئة في تاريخ الأدب العربي» وفكرة التقسيم المكاني له، مناقشات أو اختلافات، أرجع إلى استيفائها في غير هذا المقام،

2

مكتفيا هنا بما تجلى من خطأ الفكرة الزمانية جملة وتفصيلا، وقوة فكرة اختصاص البيئات بالدراسة، وأنها هي التي تجري على قواعد المنهج العلمي الصحيح، ولا تقف عند ظواهر ساذجة من التشابه والمشاركة السطحية في فنون الأدب العربي وحياته، وبهذا تخص الأندلس والمغرب ومصر والشرق الإسلامي الأقصى، والشرق الأقرب؛ كل دراسة خاصة مفردة، على أساس ما يستبين من تمايز البيئات.

ومن هنا تكون الدراسة الأدبية لمصر وحدها، هي الخطة العملية المثلى، كما كانت وفاء بواجب اجتماعي حيوي، إلى جانب أنها مصلحية عملية، قائمة على المشاهدة الجلية، والاختبار القريب». ••• «إقليمية الأدب» هي قضية العلم في تاريخ الأدب، قضية العلم التجريبي التي يقررها واثقا، حينما يتحدث عن علاقة الكائن ببيئته، وأثر تلك البيئة بنوعيها، من طبيعية واجتماعية، في الحي الذي يعيش فيها ويختص بها.

يقررها هذا العلم التجريبي واثقا حينما يرصد الفوارق الفاصلة بين البيئات، ويدرك أن مصر قد تميزت من ذلك بمميزات واضحة الفصل، قوية التأثير في التحديد والتمييز، من بحار وصحاري، وبمقومات خاصة جعلت هذه البلاد وحدة مادية بارزة المعالم، جلية الخصائص، ماثلة الفوارق. «إقليمية الأدب» هي قضية العلم التي لا يتسع فيها المجال لترديدات احتمالية، واعتبارات كلامية؛ تساق لإرضاء هوى من الأهواء، أو تأييد ميل من الميول، اعتمادا على فلج الحجج، واللحن بها، كما يجري ذلك في الميادين الكلامية والأبحاث اللفظية. وقضية العلم تلك إذا ما ارتفعت على تأثير البحث النظري، فأولى بها أن ترتفع، بل وتتمنع على نواحي التأثير الفني من الاستهواء والخلابة، واللباقة الخطابية، والمبالغات الصناعية، فلا ينال كل أولئك منها شيئا، أو تثبت غيرها شيئا. «إقليمية الأدب» قضية يصدق القول بها على الجزيرة العربية نفسها، كما يصدق على الإمبراطورية العربية أو الإسلامية - أو ما شئت أن تنعتها - فأما صدق هذه القضية العلمية على تلك الإمبراطورية فقد مضى ما يكفي فيه، وأما صدق هذه الفكرة في الجزيرة نفسها، وتقرير أن هذه الجزيرة - أو شبه الجزيرة - العربية لم تؤلف في حياتها وحدة جامعة شملت البحرين، واليمن، والحجاز، والعراق، في الحياة اللغوية والأدبية، كما قد يشيع تقرير ذلك في تاريخ العربية وأدبها. لم تؤلف الجزيرة هذه الوحدة لأن بيئتها قد حالت بالغمر الصحراوي الجدب الذي يتوسطها، دون أن تؤلف هذه المناطق وحدة متجانسة أو أجزاء مترابطة، وسيأتي لذلك فضل بيان شاف عند الموازنة بين البيئتين المصرية والعربية. وإنما تعجلنا ذلك هنا ليقدر منكرو الإقليمية أنها متحكمة في أقرب ما عرفوا من وحدة، وما نسوا من واقع. «إقليمية الأدب» تصحيح مادي لخطأ شائع لن ينصره شيوعه، كما لن يعوق هذا التصحيح أنه جديد أو غير مألوف، أو لم يشعر به القدماء، أو لم يتقبله المحدثون بعد، فما كانت البيئة الجامعية لتؤمن بذلك الشعار السخيف في إيثار الخطأ المشهور على الصواب المهجور. على أن العهد بتاريخ الأدب وتقسيمه لم يبعد ولم يطل، حتى تكون له أصول راسخة يستعصي تعديلها أو يشق تغييرها. فتلك حركة حديثة عهد بوجود، وهي أحدث عهدا بالتنسيق العلمي والتقسيم الصحيح، فلا عليها إن أصاخت للنقد، واستفادت من التصحيح ما استطاعت.

في الأدب المصري · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ٤