تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دراسة فاحصة عميقة للفنون المصرية الأخرى، عدا هذا الفن القولي، بحيث تتكشف لنا حياة هذه الفنون وتاريخها، تكشفا يجلي لنا ما امتازت به بين فنون الأمم من طابع وخاصة، تحدث عن الروح المصرية، والمزاج المصري، والشخصية المصرية، فنستطيع بهديها فهم هذا الطابع، وتلك المميزات في فننا الأدبي، الذي نستشف تأثير قديمه التالد، في حديثه العربي الإسلامي التالي. (ج)

دراسة صحيحة المنهج، كاملة الأجزاء، عن نواحي الحياة المصرية الأخرى، ومظاهرها المختلفة من اجتماعية واعتقادية وغيرها، ليمدنا ذلك بالمعنوية اللازمة لفهم هذا الأدب الذي هو أحد تلك المظاهر الحيوية. ولعلنا نحن المصريين من أحسن الناس حظا في هذا الميدان؛ إذ خلف أسلافنا ما خلفوا من معالم حياتهم، فكفت آثارهم لتصويرها أدق تصوير وأصدقه.

وجلي أن التاريخ بمعناه العام يكون قد درس أصح الدراسة حينما يمكننا الظفر بهذه الصور المنتقاة، فلا ضرورة للفت النظر إلى الفراغ من درسه أولا.

تلك صورة عامة لما سنجاهد أصحاب المصريات على أن يضعوه بين يدينا وفي لغتنا، حتى تكون دراستنا للأدب المصري الإسلامي وتاريخه، قد أقيمت على أساس صحيح، ومنهج سليم. وليس ما نزاوله فيها قبل اكتمال هذه النواحي إلا عملا مؤقتا، وضرورة يلازمنا معها الشعور القوي بالنقص، والطموح الجاد إلى الاكتمال، غير قانعين بما يقدم الآن أصحاب المصريات مؤقتا من معلومات عن الحياة والفن المصري. •••

بهذا لا ننتظر متعطلين، ولا نمضي راضين، مخلدين إلى الراحة، مكتفين بما لدينا، بل سنقدر كلما قررنا قضية، أو اطمأننا إلى فكرة في هذه الدراسة الأدبية، أننا لا نقول الكلمة الأخيرة، ولا نقطع الطريق على عمل مستمر التكامل، متجدد الرقي، يفرغ فيه الدارس لهذا الأدب المصري وتاريخه، بعد أن تتوطد الأسس المتينة له، من الخبرة الوافية الكاملة بأدب مصر في عصوره الغابرة، التي سلك فيها ذلك الأدب سبيله، في أثناء الدهر ومسارب الزمن، ومضت الشخصية المصرية المخلدة تتقدم به على الأجيال، متأثرة بمختلف ما تلقي عليها الأيام، من ظلال جنسية وسياسية واجتماعية، من بينها ظل الصلة العربية، والراية الإسلامية، في البضعة عشر قرنا الأخيرة.

من أجل ذلك لن نكف عن أن نذكر أنفسنا، ولا عن أن نذكر كل متصل بأدب هذا العصر، بأن الأساس الذي يقام عليه بناء هذا البحث، إنما هو مصري مصري، قديم قديم، يتصل بعمل أصحاب المصريات، قبل أن يتصل بأي شيء آخر، وأكثر مما يتصل بأي شيء آخر، ويستعين بمعارفهم قبل أن يستعين بغيرها. ولن تقال كلمة مؤرخة في وصف الحياة الأدبية لمصر الإسلامية، على نحو ما نرجوه من الدرس الصادق لتاريخ الأدب، إلا بعد أن نكون قد ظفرنا بالجهد المفرد للمصريين أنفسهم، وبذوق المصريين ذاتهم، وبجدهم هم، ويقظتهم هم لذواتهم، في ماضي حياتهم، وفنونهم، وآدابهم، بحيث تكون في يد كل مزاول لهذا الأدب المصري الإسلامي، أكبر وأكمل مجموعة، من المنشآت الأدبية للعصور المصرية السابقة، كلها يحيا فيها حينا إلى جانب حياته في مصر الحديثة، فيرهف بذلك حسه، ويدق تذوقه لهذا الأدب، ويظفر بمفاتيح إغلاقه، ومصابيح سراديبه، من ماض بعيد قد تأثر به ولا شك، حاضرنا القريب. •••

ذلك شعورنا حين نتقدم ولا ننتظر، وهذه أمانينا حين نصيب شيئا من هذا الدرس، ولما يتوطد لنا ما نبغي من أساس بعد. فإن أبى الناس إلا أن يعتبرونا فيما نتعجل من ذلك، قبل الظفر بالأصول الكاملة، دارسين مؤقتين، أو عاملين في دور الانتقال، ومرحلة الإعداد لا أكثر ولا أقل، فلهم ذلك، وما جاروا. ونحن أطيب نفسا بأجف من هذا الوصف، وأقسى من هذا النعت، نؤثر ذلك على أن نكذب أنفسنا وقومنا، والأجيال الخالفة، فتخفى الحقيقة الصحيحة في المنهج السليم، ونزعم لأنفسنا الكفاية الدارسة، والمقدرة الموفورة، والأستاذية الجليلة للأدب المصري وتاريخه.

في الأدب المصري · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ٣٣