وقد يبدو للمستسهلين الذين يريدون لينالوا القمر وهم قعود - وما أكثرهم فينا - أن هذا الوصل المرجو بين دارسي المصريات كلها إنما هو لون من العنت، نرهق به دارسي الأدب المصري وتاريخه، ونضع في طريقهم صعاب العقبات، على حين أن الأمر أيسر من ذلك وأهون، فهذه دنيا وتلك دنيا، وهؤلاء ناس وأولئك ناس، ودون ذا ويدرس الأدب المصري.
فنقول لهم: أما الصلة بين هذا كله مهما تتباعد فروعه فوثيقة وطيدة بلا شك، وأما العنت بملاحظتها والتزامها فنعم، لكنا مهما يكن لهذا الإعنات والإرهاق من أثر يثقل خطانا، ويؤخر أثمار دراستنا، فلن ننسى أن هذه هي الحقيقة، ولن ننسى أن هذا هو الواجب، وإن يكن عبؤه ثقيلا، بل سنحمل أنفسنا على أشق من هذا، ونطمع في أن يكون لمصر من أبنائها من يتخصص في درس جانب من حضارتها وحياتها القديمة، منذ عهدها الأول، ليسخر معرفته المستفيضة لهذا الجانب فيتابع نماءه، وامتداد الحياة به في مصر الإسلامية إلى اليوم، إيمانا منا بوثاقة الصلة، ويقينا بقدسية هذا الواجب. ولا غرو، فإنما هي آمال أمة، وأماني شعب متحضر، يدرك مشقة تكاليفها، ويصمد في صبر للوفاء بها. •••
سيقول المتعجلون من الناس وماذا بقي لكم من العمل إذن، ما دام هذا الأساس البعيد الغور، لم يوضع بعد، ولستم أنتم الذين تضعونه؟! فتربصوا حتى يفرغ أصحاب الآثار والتاريخ القديم من الدرس الأوفى لأدب مصر الأول، ثم تقدموا أنتم بعدها لدراسة أدب مصر الإسلامي المتأخر.
ونقول لهؤلاء: لا بأس علينا في شيء من هذا، ما قضت به سلامة المنهج، وتسديد الخطة، فما يرضينا قط أن نزعم أننا نقول ونعيد في أدب مصر المسلمة، لنزعم أننا ندرسه، وإنما الذي يعنينا أن تسدد خطى هذه الأمة في حياتها العالمة، ويعنينا أن يوفق عملها في سائر ميادين الحياة الأخرى وسبل الوجود، ولو كان ذلك التسديد والتوفيق لا يكون ثمنه إلا أعز ما نملك، وآثر ما نؤثر، تنتزعه منا أمتنا انتزاعا، بل أحبب إلينا أن نسبق طلبها، فنؤثرها به، ونعجل إليها ما نريد، فكيف بما دون ذلك من ادعاء درس، وانتحال بحث؟ •••
على أنا نعود فنقول لهؤلاء المتعجلين، ربما لا ننتظر إلى أن ينهض أصحاب الآثار المصرية، والتاريخ القديم، بتمكيننا من آداب هذا العهد، وتيسير درسها، أو بإتمام هذا الدرس، وتقديم ثماره لنا، لأنا نعرف أنهم إلى اليوم قد أصابوا - أو بالأحرى أصاب الغربيون لهم - غير قليل من المعارف المتصلة بالشئون المصرية، ودونوا فيه مقررات غير يسيرة ولا تافهة. كما أن أولئك الغربيين قد فرغوا لدراسات طيبة في حياة الفنون المصرية الأخرى، سوى فن القول، وهي مما يعين إعانة جلية على دراسة الفن الأدبي. وبالنظر في كل أولئك مما أتمه أصحاب الآثار، غربيون أو شرقيون، نستطيع - ولو مؤقتا - الاعتماد على نتائجه، ما دمنا إنما نقوم اليوم أولا بالنظر فيما حول الأدب المصري من دراسات، أو فيما بعد ذلك من دراسة النصوص الأدبية المصرية نفسها بعد جمعها وتمحيصها وتحقيقها على نحو ما بينا قريبا. وفي هاتين الناحيتين: - ما حول الأدب، والنصوص الأدبية - قد يوفي بنا ما يقدم أصحاب هذه الدراسات القديمة لمصر من حقائق، على شيء مما يتمثله المنهج المحرر، أو لا أقل من أن نقبله مؤقتا، معنيين بأن نجاهدهم مع هذا، على أن يضعوا بين يدينا المواد التي لا بد من أن نظفر بها أولا، قبل أن نجرؤ على الحديث عن تاريخ الأدب المصري. وتلك المواد هي: (أ)
مجموعة أو مجموعات تنتظم جميع ما وصلت إليه أيديهم، من نصوص أدبية مصرية للعصور المختلفة، في أغراضها وفنونها المتعددة، على ما هو معروف في فنون الشعر والنثر. وأن تترجم تلك المجموعة أو المجموعات، عن أصولها المصرية القديمة ترجمة دقيقة؛ لينظر فيها أصحاب الأدب منا نظرة متذوقة فاحصة ناقدة، تكفي لتبين خصائصها بأدق وأعمق وأهدأ، مما نظر به إليها الغربيون في هذه النصوص، ويحكم فيها أصحاب الأدب منا كذلك أحكاما أدبية وتاريخية أصح وأصدق وأضبط، مما حكم بها عليه هؤلاء الغربيون؛ لأنهم أجانب عن ماضيها وحاضرها وذوقها، على حين ورثنا نحن ذلك كله، دما جاريا، وحسا نابضا، وشهدناه واقعا شاخصا، نغدو بين معالمه ونروح. (ب)