ومن هنا يكون التنسيق الصحيح للدراسة الأدبية هكذا؛ أنها تحقيق النص الأدبي تحقيقا علميا ناقدا.
2
ثم الإلمام التام بما حول هذا المتن الأدبي من اعتبارات عملية ومعنوية، مادية ونفسية، فردية واجتماعية، كالحوادث الملابسة، والبيئة المؤثرة في صورتيها المادية والمعنوية، بأوسع ما تدل عليه البيئة.
ثم فهم هذا النص بهداية تلك الأضواء الحافة به، ومع الاعتماد على وسائط هذا الفهم من علوم العربية وفنونها الأدبية التي لا بد منها؛ لإدراك النص الأدبي في لغة من اللغات؛ وبذلك يتم درس الأدب في معناه الصحيح.
ثم ما إذا ما اكتمل ذلك فيما خلف من آثار، وفيمن عرف من أشخاص؛ أمكن التصدي بعد هذا كله، وعلى هيئة من الأمر، وفي هدوء فاحص لجوانب الحياة
3
الأخرى، وما دون من تاريخها، وما سجل من وصفها؛ لتتبع الوشائج التي تصلها بالجانب الأدبي للحياة، وتكشف عن تبادل التفاعل معها. أعني أنا كما فهمنا أثر ظواهر الحياة المختلفة على الأديب والأدب، نطلع ما استطعنا على تاريخ الكل بهذه الظواهر.
وإذا ما تيسر ذلك كله استطاع مؤرخ الآداب أن يلمح على مصور الحياة مناطق متميزة، وفوارق واضحة، أعتقد أنه باستبانتها قادر على تأريخ الحياة الأدبية ووصف أدوارها، ثم هو قادر في وصف هذه الأدوار، على بيان مسالك الحياة الأدبية فيها، وكيف سارت، فأسرعت أو أبطأت، أو توقفت، واعتدلت أو انحرفت، أو تذبذبت، وارتفعت أو انحطت أو جمدت، وأشباه هذه النتائج التي تستطيع الأمة بالنظر إليها أن تعرف هدفها من طريق التدرج وسبيل التطور في الفن، وأن تدرك أين يقع حاضرها من ماضيها، وأي مستقبل فني وراء هذا كله ينتظرها. كما تستطيع الأمة أن تظفر بمثل ذلك في حياتها الاقتصادية إذا ما أرختها، أو حياتها السياسية إذا تتبعتها، أو غير هاتين من جوانب الحياة حين تدرسه. •••
هذا هو الأدب، وذاك هو تاريخ الأدب - فيما أفهم - أما أن ذلك يسير سهل، أو عسير شاق، وماذا يحتاج من زمن، أو جهد، أو تعاون، فما يعنيني أن أقف عنده لأبتهج بيسره إن كان يسيرا، أو أهون من عسره إن كان عسيرا؛ لأنه واجب، ولأنه لا بد أن يتم، ولأنه سيقوم به من يتمه إذا قعدت بنا وبمن قبلنا الهمة عنه، وستكون لنا لذة المعاناة، ثم غبطة الظفر، إذا ما تهيأ لنا إتمام شيء منه، ولكل عامل من الظفر ما أراد وطلب.
تلك هي الخطة التي ندعو إليها جادين، ونحاولها مجتهدين، ونطمع أن يكون لتلك الدعوة، وهاتيك المحاولة أثرهما في نهوض حياتنا الأدبية، ومهما يحملنا التواضع على التهوين من شأن ما نستطيعه وما نقدر عليه فيها، وما تقوم به لها، فإن هذا التواضع لن ينسينا دقة نظم الكون، حتى ما يتخلف أثر عن مؤثره، ولا يضيع عمل مهما يكن يسيرا أو صغيرا. والأمل معقود دائما بأن ما انغمر من هذا كله، أو خفي عن الإعلان، لن يخفى على حس النواميس الاجتماعية، ولن تخطئه عين الدهر، ولن يفوت أذن الزمن، وإن أعوزه الدوي الصاخب، والضجيج اللافت، والصيت الكافي، فما زال حجر الأساس لا تراه الشمس ولا يغمره النور.
| منهج الأدب المصري وتاريخه
(1) أثر الإقليمية في المنهج
ما مضى من القول في الأدب وتاريخه، وكيف ينسق درسهما، هو القولة الشاملة العامة في ذلك، تصدق في درس أدب رجل، صدقها في درس أدب عصر، أو أمة، كما تصدق حين يتبع المنهج الشائع في تقسيمه الزمني المتعارف، كصدقها حين يصحح هذا المنهج تصحيحه الذي تنشده؛ فيدرس الأدب في بيئته التي نمته، ومؤثراته التي وجهته. وإذا كانت تلك هي القولة الشاملة الصادقة في كل حال، فإنا نقصد بعدها إلى الحديث الخاص، عن أثر الإقليمية في المنهج، وما نقضي به من النظر في حياة الأدب المصري المدروس، من حيث اتصاله ببيئته، وتأثره بالعوامل التي وجهته، وانفعل بها، كما هو شأن كل كائن مادي أو معنوي؛ لنرسم بذلك المنهج الصحيح لدراسة الأدب المصري وتاريخه، على هدى الاعتبارات العلمية المجربة، لا الاحتمالات والفروض المظنونة. •••