وما يعنينا هنا أن نبين في إسهاب مآثم هذه الاتجاهات الفرضية وما ماثلها في حياة الدراسة الأدبية. إنما الذي نقصد إليه أولا هو بيان أثر هذا التدخل بين الأدب وما هو من تاريخه؛ لنلفت إلى وجوب تنسيق الدراسة الأدبية، مع وجود هذا الذي يبدو من التراكب والتداخل، في فهم المحدثين للأدب وتاريخ الأدب. •••
وأساس هذا التنسيق - فيما يبدو لي - يستقر على ما قدمت آنفا من فهم دقيق لتاريخ الأدب، وأنه ليس إلا تبينا لمظهر من مظاهر الحياة الإنسانية في سيرها وتدرجها، وتفهما لتطورها وانتقالها؛ كيف كان ذلك؟ وكيف تم؟ وما معالمه الخاصة به المميزة له، في جوه المعين، غير مضبوط بمعالم أجنبية من اعتبارات سياسية، أو فواصل من الدول والأسر على ما يفعلون؟
وهذا التاريخ الأدبي إنما هو وصف علمي بقدر ما تستطيع الطاقة الإنسانية، للون من ألوان الحياة الفنية في وجود الجماعات البشرية، وصف يرصد نواميس تلك الحياة ويسجل ظواهرها، ويكشفها للدارس، كما يكشف البحث العلمي حياة كائن من الكائنات، ويعرف بمعالم ذلك وقوانينه. وهذا المعنى المرجو في تاريخ الأدب والأدباء يباعد كثيرا بينه وبين التشبث الساذج بالسنين والأعوام، والأماكن، والسرد القصصي، لواقعات الحياة وأحداثها، كما يجعل هذا التاريخ الأدبي يفرق من أن يطلق هاتيك الأحكام العابرة الفضفاضة عن حياة عصر، ووجود فن، وطابع متفنن، وخصائص فرد أو جماعة، على نحو ما يطلق ذلك اليوم، في سهولة مستهينة، ويسر مستخف.
وهذا المعنى المرجو في تاريخ الأدب يقطع الطريق على مثل هذا كله، حين يتمثل وعورة السبيل، وخفاء المعالم، وصعوبة المطلب، وجلال الغاية؛ فيطيل الدرس، ويمعن في التأمل، ويحسن التثبت، ويجيد التدقيق، ويجعل كل هذه الهنات التي اكتفينا بها في تاريخ الأدب، وخدعنا بها عن الواجب الأمثل فيه، يجعل كل هذه مقدمات أولى، يمكن أن تخص باسم «ما حول المتن الأدبي»، أو «ما لا بد منه لفهم الأدب»، أو «أدوات الدرس الأدبي»، أو ما شئت أن تتخذه من أسماء مشبهة لذلك، لا جناح عليك في تخيرها، فإنما موضع العناية عندي أن تشعر بأن هذه المحاولات كلها، شيء يتيسر به درس النص الأدبي، ويجعلك تفهم المتن فهما مجديا، له أثره في تكوين الذوق الأدبي، أو تكميل شخصيات الموهوبين من دارسي الآداب، بإرهاف أذواقهم، ثم له بعد ذلك معاونته الهامة في تحقيق التاريخ الأدبي على النحو الذي تمثلناه آنفا.
وبهذا لا يكون هناك تداخل ولا تراكب بين صنفي الدراسة، ولا دور في فهم الأدب وتاريخ الأدب حتى يتوقف كل منهما على صاحبه - كما يقول المتكلمون - إذ تكون الحقائق التاريخية أو الاجتماعية التي لا بد منها لفهم الأدب، من مواد دراسة الأدب وأدواتها. ثم إذا ما تم هذا الدرس على النحو المبتغى؛ فكرنا في كتابة تاريخ الأدب، تلك الكتابة الصحيحة الدقيقة التي تجرؤ على تقسيم العصور وتبيين معالم الأدوار، على هدى من الاعتبارات الفنية المحتكمة في حياة الأدب نفسه، وعلى بينة من حال هذا الأدب، حتى يبدو فرق ما بين العصر والعصر، وحد ما بين الدور والدور، جليا متميزا. ثم تقدم لك من وصف العصر وخصائص العهد، ومسير الحياة الأدبية فيه، ما هو بيان حقيقي لحياة الفن القولي، لا التماس لظواهر موهومة، وفروض مفروضة، تنتزع من بوادر لائحة، أو ملامح متخيلة، أو شواهد خاطفة. وإذن فلن يعنى هذا الوصف التاريخي للحياة الأدبية - أي تاريخ الأدب - بأعلام الأدباء وتحقيقها، ولا بسني الميلاد والوفيات ورصدها، ولا بأحداث حياة هؤلاء الأدباء مع فلان الوالي وفلان الحاكم، ونحو هذا؛ لأن تلك كلها قد ذهب بها درس ما حول الأدب، ولأن تاريخ الأدب إنما يعنى بما وراء ذلك جميعه من قوى محركة، وتيارات موجهة، ونواميس ضابطة. بعدما قد فرغ الدارس من فهم كل ما هو ضروري لذلك من أخبار وأحداث، وفرغ من الفهم النفسي لآثارها الفردية والاجتماعية ... من الفهم الاجتماعي لنتائجها المترتبة عليها، كما قد فرغ من تقدير ما خلف ذلك من أثر في متون الأدب ونصوصه؛ ومن فرغ من كل أولئك فقد استطاع أن يستشف الخفي من هاتيك القوى، وتلك التيارات، وأولئك النواميس المتصلة بالحياة الأدبية، والتي يحاول المؤرخ التحدث عنها والتصدي لوصفها، فتكشفت له الحياة الأدبية ومسارب تطورها وخطوات تدرجها، كما يتمثلها التاريخ بمعناه الصحيح ومفهومه الحديث، حينما يتحدث عن صنوف الحيوات الإنسانية المختلفة من دينية ودنيوية، ومعنوية وعملية. •••