وإن تعجب فعجب أنهم وهم ناشئة المذهب السياسي في تاريخ الأدب، قد لقنوا ربط حياة الأدب بحياة السياسة، يديرون عليه عصوره، ويتبعونها رقيه وانحطاطه، قد نسوا مع ذلك أو أنسوا صلة السياسة بالأدب في هذه الناحية، فلم يقدروا فرق ما بين هذا المشرق وذاك المغرب في السياسة، فقد اختلفت المنعة في الجانبين، وتغيرت أيما تغير عوامل التأثر السياسي في البيئتين، وافترقت افتراقا - ليس باليسير - المؤثرات الحيوية على السياسة في الأفقين، فلم يكن في الأندلس ذلك النزاع بين الأسر العربية في الحكم، ولعله لم تكن تحتكم بذلك تيارات دينية أو روحية في سير الحياة السياسية، فلا شيعة غلاة أو معتدلون، ولا طالبيون ولا علويون، ولا زنادقة ولا متصوفة، يعملون في سر أو علن لشيء مما يعملون لمثله في المشرق، ويهزون به أصول الحياة الاجتماعية والأوضاع السياسية هزات عنيفة. هذا إلى ما للأندلس من علاقة قريبة بمن صاقبهم من البشكنس وفلول الإسبان، ومن إلى هؤلاء من الفرنجة المطبقين جمعيا على هذه البلاد، المناصبين أهلها العداء، الجادين في سبيل إجلائهم وغلبتهم. وكل ذلك وأمثاله من فروق كثيرة بين السياستين المشرقية والمغربية، والحكومتين الأندلسية والشرقية، والبناء السياسي للجماعتين، كل ذلك مما يتصل من قرب أو بعد بالحياة الأدبية، ففي الشرق أحزاب لها شعراؤها، وأسر لها مقاولها، وشيع لها دعاتها. وللعقائد والمنافع، والدعاوة، والاستقلال، ثم للعصبية حينا ، ولغير ذلك مما يشبهه تأثيره العنيف في حياة فن القول، وتوجيهه، ودفع المتفننين في الشرق إلى أغراض ومعان كبرى، ليس لها شبه ولا مثل في هذا الغرب المتميز. فما هذه الدعوى المجازفة بوحدة الفن فيهما وحدة تامة!
ومما يلقاك به بعض من يتصل بالأدب أو من لا صلة له بأدب أيضا، منكرين فكرة المصرية، أن يقولوا: أين هذا الأدب المصري فإنا لا نجده ولا نعرفه؟ يعنون بذلك أن ما تناقل الناس من أدب سائر، وما رددوا من أسماء مشتهرة ليس فيه مصري، فقد عرفوا البحتري وأبا تمام والمتنبي والمعري ومن إليهم، وحفظوا من الشعر كذا، وتمثلوا بكذا ونحوه من النثر، فما كان بين هؤلاء أسماء مصرية، ولا كان في هذا لذي دار بينهم ما هو مصري. •••
وتلك فكرة نرى فيها جورا على المنهج، ما نستطيع أن نلقاه بمثله؛ ذلك أن قضيتنا عامة، إنما تقوم على أثر البيئة في الفنون ومنه الأدب، وهذه المصرية بيئة كملت لها المزايا المتفردة، وتهيأ لها التميز الواضح، فوجب أن تترك أثرها فيمن فيها من الأحياء، أشياء أو أشخاصا، وعلى الدارس أن ينطلق باحثا عن هذا الأثر، واثقا أنه لن يخلفه. تلك مقدمات وقضايا ما أحسب فيها ما هو موضع لمشاحة أو إنكار، وكذلك تكون النتيجة لازمة لها، وهي أن لهذه البيئة أثرا ما بعينه؛ فاللغة العربية وأدبها مما عاش في هذه البيئة، ووجب أن يكون قد تأثر بها، أما أن يكون هذا التأثر كذا وكذا لا كيت وكيت، فشيء لم ندعه، ولم نتعجل فيه قولا.
وعلى هذا إن صح في رأي هؤلاء أن تكون هذه العربية قد جفت في مصر، وما نمت، وأن يكون العرب الذين نزلوا مصر قد يكئوا لا يقولون شعرا ولا نثرا، وكذلك كان المصريون من أهل هذه البلاد لم يشعروا بهذا التحول الذي تم في حياتهم حين اتخذوا العربية لغة لهم بعدما اتخذوا - أو اتخذ أكثرهم - الإسلام دينا، فلتكن تلك هي النتيجة التي يصل إليها بحث الباحث، ويسجلها راضيا مغتبطا؛ لأنه لا يبحث عن شيء يريده أو يفضله، ولكنما يبحث عن شيء يصححه ويصدقه.
وتكون هذه البيئة المصرية قد استعصت على العربية لم تنفعل بها، أو قد عرض لها من الموانع والعوائق ما حال دون تأثرها بهذه العربية، أو ما شأن الله أن قد كان من الأسباب والظواهر، فتلك هي النتائج التي يدونها دارس الأدب المصري في الإسلام. •••