تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم كان لاختلاط هذه الثقافة بالثقافة العربية، وما جرى بينهما من تجاذب وتدافع أثره، الذي دخل على الحياة الدينية والحياة الفنية بأشياء من الاهتزاز والاضطراب، قبلما تولاها القوم بالتوفيق أو بالتخفيف، أو بالتفسير أو بالرد، أو ما إلى ذلك مما تقتضيه الهزة الاجتماعية الناجمة دائما عن مثل هذه التغيرات. ولكنها جاءت المغرب بعد ما انتهت هذه التجربة، أو بعد ما ثبتت على حال ما آلت إليها، فلم يتعرض المغرب لما تعرض له المشرق من هذه الهزة وأثرها، وتلك أيضا ثالثة.

ومن هذا وغيره كانت حياة الفلسفة في الأندلس - مهما تكن قد اتصلت أو تأثرت بحياتها في المشرق - لا بد أن تختلف بها الطريق وتفترق الخطوات، وهو ما كان فعلا شأن الفلسفة في هذا الأفق، وتلك رابعة جعلت اتصال الأدب بالفلسفة في المغرب لا يؤمن فيه القول بالمشابهة لما كان في المشرق، وهذا هو ما يمكن الاطمئنان إلى تقريره مؤقتا. •••

ولقد جاءكم من حديث القوم عن الحياة الأدبية في المشرق والمغرب أن المغرب كان يصوغ على نماذج المشرق، لكن كانت المذاهب الفنية تنقل إلى الأندلس نقلا مضطربا، فلم يكن التقليد دقيقا؛ إذ كانوا يلفقون بين طرق ومذاهب فنية مختلفة لغير شاعر واحد. وهذا نفسه من قولهم فرق واضح، بل شديد الوضوح؛ فالمذهب الأدبي في المغرب حين قلد المذاهب المشرقية - إن صح قولهم في وصف التقليد - كان مذهبا انتخابيا، جمع نواحي من المذاهب المختلفة، أو كان مذهبا اختلاطيا اضطرب بين المذاهب المختلفة حين كان الأمر في المشرق ليس على شيء من هذا الانتخاب أو الاختلاط الذي في المغرب.

وهكذا أراد القائلون أن يذهب الشرق بالفضل كله، والإمداد كله، وأن ينكروا على الأندلس أن يكون قد أحدث مذاهب جديدة في صناعة الشعر ، وأسرفوا في ذلك وأطنبوا في بيانه، فقرروا في هذا البيان أن حال الأندلس من هذه الناحية، لم تجر على ما جرت عليه الحال في المشرق، بل تغايرت وتخالفت، وإن يكن هذا التغاير والتخالف اضطرابا واختلاطا.

وجلي أن سبق المشرق وابتكاره شيء غير ما نحن فيه، فإنما يعنينا تغاير ما بين المشرق والمغرب، وهذا السبق نفسه، وهذا الابتكار مفرق بينهما ومغاير، له تأثيره، وله بالبيئة صلته. ولو لوحظ مع هذا أن الأخذ كان تخليطا وجمعا، ولم يكن محاكاة صحيحة ولا دقيقة، فإن هذا الاختلاف أيضا بين الأخذ وبين التقليد والمحاكاة اختلاف له أثره، وهو حقيق بالوقوف عنده. ولا محل لاختلاط الأمر بين الذهاب بالفضل والسبق، وبين الوحدة وعدم أثر الإقليم والبيئة، فإن قولهم في تقرير هذا الفضل يقرر هو بنفسه الاختلاف والتغاير الذي يعنينا النظر إليه. •••

وآخر من قولهم قد اعترفوا فيه بالفرق، لكنهم هونوا من شأنه في غير سبب، إلا أنهم أرادوا ذلك، فلقد سمعتهم يذكرون ما أحدث الأندلسيون من التغيير في الشعر العربي بموشحاتهم وما إليها من أزجال ونحو ذلك، فيهونون من شأنه بأنه لم يحدث ثورة في الأوضاع القديمة في الشعر العربي إلا من حيث الأوزان والقوافي. وهو توهين يخلقه الغرض، وإن كان لا يسوغ في تقدير الفن. فهذه الأوزان المستحدثة كما تعرف لم يحدثها إلا الضيق بالأوزان القديمة، والشغف بطراز من الحرية الفنية، والسعة الموسيقية التي لا تواتي عليها الأوزان القديمة، ولا تسعف بها أبحرها، وما يكون هذا إلا أثرا لتطلع فني موسيقي خليق بأن يعد شيئا خاصا بأهله له قيمته ودلالته، وما هذا الوزن الشعري إلا إدراك موسيقي يتبع شخصية الشاعر، ويساير جو الموضوع، ويتغير بتغير ذلك كله، فيلون الفن القولي، ويشف عن صنوف من الإحساس تنم عن الأشخاص، وتوائم موضوعات القول، فليس كل بحر يصلح لكل غرض، ولا كل مزاج يستسيغ كل وزن، أو يحس بالشاعرية في التفاعيل كلها على السواء، وما يستطيع هؤلاء القائلون - مهما يكابروا - أن ينسوا أن رواج أبحر الشعر هذه قد تفاوت بتفاوت العصور، وتفاوت باختيار الشعراء، وتغير بتغير الموضوعات، وتأثر ذلك كله بالحياة الموسيقية والغنائية، رقيا وانحطاطا، وإذا لم يكن مجال القول هنا ذا سعة فإنا نكتفي بأن نقول: إن هذا الوزن ليس من السطحية بحيث تسقط دلالته، وتهمل قيمته، فلا يعد في شيء من الفروق بين فن وفن، ولا يحتسب التغيير فيه والابتداع - على نحو ما كان بالأندلس - ذا أثر في الدلالة على فرق ما بين أصحاب هذا الابتداع وبين غيرهم! وليس إهمال هذا الفرق وتيسير شأنه إلا ضربا من عدم الدقة التي تؤذي الحياة الفنية، والتي نعتبر نحن القول بالإقليمية خروجا عليها، أو تلافيا لنقصها وعلاجا. •••

في الأدب المصري · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ١٩