تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن منهم مع ذلك من ينكر هذا الإعجاز البلاغي إنكارا، وما القول بالصرفة إلا إنكار جلي لأن يكون القرآن في لفظه ومعناه غير مقدور للناس ولا مستطاع، بل هو في متناولهم ومستطاعهم.

وإذا كانت تلك مذاهب القوم المختلفة في إدراك قيمة هذا الكتاب الأدبية - وهي مسألة أدبية آزرتها دعوة دينية عامة، وتوجيه قرآني موحد شامل - فهل تراهم في تأثرهم بهذا الكتاب إلا جارين على نحو هذا الافتراق والاختلاف، ومنقسمين شيعا وطرائق؟! فإن اجتمعوا على قراءته ما شاء الله أن يجتمعوا، وإن اجتمعوا في بعض فهمه على ما يصح أن يجتمعوا، وإن اجتمعوا في بعض فهمه على ما يصح أن يجتمعوا عليه، فما أحسب ذلك سينتهي بهم إلى شيء من وحدة أدبية، أو إلى قريب من هذه الوحدة، بحيث يذهب عملهم الأدبي في حساب التاريخ مذهبا موحدا، ويكون في رأي الزمن كائنا متمثلا مشخصا، يؤرخ في ظروف واحدة، وبخطوات واحدة، أحسب أن لا! •••

وبعد، فما يستطيع البحث الصحيح أن ينكر قط أن أشياء قليلة أو كثيرة، قد ألفت بين الأقاليم الإسلامية، وردت أهلها إلى ألوان من التشابه، وضروب من الاشتراك، قد يكون من بينها ما هو أدبي محض، صدرت عنه آثار قد تتشابه في هذه الأقاليم على تنائيها، ولكن الذي يسلم بهذا التشابه وأسبابه لا يسلم بأنه التشابه المطلق التام الذي يصير إلى وحدة تلغي أسباب الافتراق والاختلاف، التي هي أمور طبيعية واقعية عملية، مادية أو نفسية، لها آثارها البعيدة الواضحة. فلا تسليم التشابه يثبت الوحدة، ولا تقرير التعدد ينفي في شيء ما ضروبا من التشابه، وذلك قدر من الحق ينبغي ألا نغفله أو يغفله الباحثون حينما يلمحون مظاهر هذا الشبه أو يشعرون بأسبابه، وتلوح لهم عوامله، في أمور عقلية أو عملية أو فنية.

وليست الدعوة إلى هذه الإقليمية إلا محاولة مدققة في تاريخ الأدب، تقوم على أساس من سلامة بسلامة المنهج العلمي المحرر الذي يحاول تسجيل الحقائق الصحيحة مهما تكن خفية المظهر، ومهما تكن مستورة وراء ظواهر خلابة أو خداعة، وطالب هذه الدقة في عصرنا لحاضر لا ينبغي له، بل لا يحسن منه، أن يخطئ الفوارق أو يساير الظواهر، وينخدع بها.

وهذا أصل نؤصله لنعتمد عليه فيما بعد إذ نشبعه بيانا.

وينظر قائلون في الثروة الأدبية العربية بعامة، بعد أولئك الذين نظروا في أصول ثقافتها الإسلامية، فينكرون بهذا النظر فكرة الإقليمية.

يقولون: ما هذه الثروة الأدبية في الأقاليم الإسلامية بمختلفة - كما تذكرون - في ألسنتها وألوانها، ثم ثقافتها التاريخية؟ إنما هذه الثروة الأدبية العربية رغم هذه الظواهر كلها تراث واحد ، لا يتعدد ولا يتفاوت ولا يختلف، توزعته فنون واحدة في الشعر، فلم يظهر منه فن في إقليم دون إقليم غيره، بل الشعر هو هو في أبوابه المعروفة، وموضوعاته المتداولة المشتركة، لا تجد فيه حول هذا اختلافا يلفتك، ولا تفاوتا ينبهك. كما توزعتها فنون من النثر أيضا هي هي، لا تتغاير في مشرق عنها في مغرب، بل جرت أبواب النثر على رسوم مؤصلة لم تختلف فيها بيئة عن بيئة، اختلافا من هذا الذي ترجون أن تكون الطبيعة قد عملت فيه عملها، أو تركت البيئة فيه أثرها. وما يزال المتأدب يقرأ القصيدة الشعرية في عهد من العهود وعصر من العصور، لا يستطيع أن يتبين فيها فرقا، مصدره أن قائلها عراقي شرقي، أو يمني جنوبي، أو مصري بعيد عنهما، أو مغربي موغل في البعد. وكذلك الحال في الرسالة أو المقامة أو غيرهما من النثر.

نعم قد تختلف الأعصر، ويتفاوت فن عن فن ذلك التفاوت الواقع في رجال القطر الواحد والعصر الواحد، وأما ما وراء ذلك فشيء لا نجده ولا نتبينه، فلا نقول به.

وهم يقدمون لذلك مثلا، يرونه صارخ الكفاية، قوي الإثبات؛ إذ يقرنون الأدب الأندلسي في أقصى المغرب، بالأدب العراقي في نائي الشرق، ويرون القدماء من قبلهم قد شعروا بوحدته، وقرروا ذلك؛ فهذا «الصاحب بن عباد» يرى كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه فيقول: «هذه بضاعتنا ردت إلينا.»

في الأدب المصري · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

في الأدب المصريص ١٢