تلك هي عبارات للمستشرق حول الفكرة التي آثرنا استيقاف الدارس عندها، لفتا إليها. وعبارة الكاتب إن يكن فيها شيء من خشونة التعبير أو عدم التحفظ فيه، مما لا يلقاه المتدين المعتقد في سهولة، فإن الفكرة في أساسها وأصلها صحيحة مقبولة، على نحو ما قدمنا لها من بيان.
ولا يسع المؤرخ حين يؤمن بأن للحياة نواميس وقوانين تجري على وفقها، وحين يكفر بالطفرة في هذه الدنيا، ولا يدين بأن الأرض مسرح للخوارق، وميدان للمفاجآت ، لا يسعه إلا أن يسلم بذلك كاملا في حق العرب. وما يمكن أن يكون قد نالهم من تغيير وتغير بالدعوة الإسلامية، ودفعها الجديد، وأن يسلم كذلك بأن الإسلام حينما جاء من جاء من الأمم فدفع حياتهم دفعا جديدا، إنما دفعها لتسير من حيث كانت قد وصلت، أو لتتابع السير من حيث انتهت في أمسها القريب، وعلى ما ارتبطت به من ماضيها البعيد.
ولو كان العرب أمة متحضرة قد حملت إلى الأمم الأخرى نظما بعينها، وأوضاعا خاصة جربتها من قبل وأقرتها - وهو ما لم يكن من أمر العرب عند الفتح - لو كان الأمر كذلك لآمن كل باحث أن هذه النظم وتلك الدعاوى الجديدة التي حملها العرب إلى الدنيا، قد تفاعلت مع ما لتلك الأمم من أشباهها، ومضت الحياة تسير في ذلك، على المعروف الثابت من سننها.
وعلى هذا سنقدر في بحثنا دائما أن الإسلام والعرب قد جاءا مصر، على قديم من أمرها، وماض من دولتها، وسابق من فنها، ومستقر من حياتها؛ فكان بين الإسلام والعرب في مصر، ما يكون حين يلتقي كائنان، ويتبادلان التأثر والتأثير. وسنعود إلى هذا بالبيان بعد.
ومما سمعت في إنكار الإقليمية أن هذا القرآن وما إليه من أصول الإسلام كالسنة، قد وحد الثقافة الإسلامية في هذه البلاد التي اعتنقت الإسلام؛ فكانت الثقافة ذات الأصل أو الأصول الواحدة، مصدرا لأدب واحد متماثل، لا يفرق فيه بين مصري وأندلسي ومشرقي.
وهذه القولة في جملتها تندرج تحت الوحدة العامة المدعاة آنفا، والتي وقفنا عندها وقفة غير قصيرة، إلا أن هذه الوحدة هنا تخصص بأصول أدبية معينة، وتعد هذه الأصول دينية اعتقادية؛ ليكون لها بذلك ضرب من قوة التأثير على معتنقيها، يوحد منها ما افترق مع ضرب من قوة الإقناع، لسامعي هذه الدعوى. ولكنها مع ذلك كله لن تكون في حساب العلم وتصحيح البحث قوية التأثير ولا قوية الإثبات. •••
فأما وحدة هذه الأصول الثقافية، وأما أنها لونت الثقافة الإسلامية تلوينا متشابها، فنعم. وأما أن هذا التشابه يهيئ لوحدة تامة، وأن هذه الوحدة تصنع من الحياة الفنية لهذه البلاد كيانا لا يختلف فيه قطر عن قطر، فلا، ثم لا.
إن هذه الأصول من قرآن وسنة، خليقة أولا بأن تكون منابع شريعة واحدة، وقد رأينا هذه الوحدة التشريعية ادعائية، أكثر كثيرا مما هي حقيقية، وسمعت من صور الاختلاف التشريعي ما شرحنا من قبل، وقد عرضنا عند ذلك للاختلاف الاعتقادي بما فيه الكفاية. فإذا كانت هذه الأصول - وهي أصول الاعتقاد والعمل - لم تترك لنا وحدة في المقالات الاعتقادية، ولا في تفاصيل التقنين، فقد هان أمر ما تحدثه من وحدة أخرى وراء ذلك.
وأحسب أن صاحب هذه القولة المشتبهة وسامعها، يشعران بأن شيوع هذا القرآن بين تلك الأمم على اختلاف ألسنتها وألوانها، وأن كونه كتابها المعجز، ومثال أدبها السامي الفريد، كاف لأن يوحد تذوقها الأدبي، ومزاجها الفني، ويردها إلى أصول في ذلك مستقرة، تقيم حياتها الأدبية على أساس واحد. ولعل ذلك من أقوى ما يحسه المعترض ويشعر به سامعه، ولكن، لا أيضا. ففي قضايا التاريخ قضية في تاريخ الأدب، والنقد الأدبي في العربية، وما إلى ذلك من دراسة أدبية، قضية كبرى في حياة هذه الدراسات وتاريخها؛ هي قضية «إعجاز القرآن». وقد رأينا معتقدي هذا الإعجاز ومتذوقيه، تختلف بهم السبل؛ فمنهم من ينكر على غير العربي أن يجده فهو يرده إلى حس أدبي لا يعلل، ومنهم من يعلل هذا الإعجاز، ثم منهم بعد ذلك من يقول في التعليل بكذا وكذا، ومنهم من يقول فيه بكيت وكيت.