وهذا قنصل فرنسا في بغداد كتب إلى وزارة الخارجية الفرنسية عن الانتفاضة الوهابية يقول " .. إن روح الفتح استأثرت بقلوب الجماهير فراحت تستعيد ذكرى تاريخ العرب المجيد القديم، وأخذت الأحلام تراودها برؤية أمرائها متربعين على كرسي الحكم . وأمس قال لي أحد الوهابيين : لقد اقترب الوقت الذي سنرى فيه عربياً على عرش الخلافة .. وكم طال علينا الزمن الذي قاسينا فيه مرارة العيش تحت نير مغتصب". (1)
والخلافة، وان كانت قد فقدت معناها الحقيقي، اليوم، بما تراكم عليها من الاجتهادات الزائفة والممارسات الضالة،إلا أنها في جوهرها سلطة وحدوية، تنبئ عن الحاكم الواحد لجميع المسلمين وقيام خلافتين أو أكثر يتنافي مع جوهر الخلافة، فلا بد أن تكون إحداهما باطلة أو متمردة تجب محاربتها، وإقامة الخلافة الواحدة مكانها..
وبهذا تكون الدولة الوهابية من هذه الناحية ، وفي معزل عن الجوانب الدينية، حركة وحدوية تتمثل في النزوع إلى إقامة خلافة عربية تمارس سيادتها على الوطن العربي أجمع، والأمة العربية بأسرها، والخلافة بالإضافة إلى اختصاصاتها الدينية، هي سلطة سياسية تشمل شئون الدولة بمختلف جوانبها.
وكائنا ما كان الأمر، فإن الدولة الوهابية، لم تستطع أن تستكمل مسيرة الوحدة، لأسباب لا مجال لذكرها، فتقلص "وجودها" في العراق وسوريا، وحتى في الجزيرة العربية.. ولم تستأنف العمل الوحدوي إلا في القرن العشرين في عهد الملك عبد العزيز آل سعود، بعد أن أخضع عشرات
(1) زين نور الدين ، نشوء القومية العربية، ص 45.