فإن الأصل في موضوع هذا البحث هو أدلة وقرائن علم العلل الاجتهادية، أي التي يراعيها المجتهد ويبني عليها إعلال الحديث أو توكيد إعلاله؛ فلذلك لم أذكر أدلة وقرائن الإعلال التقليدية، أي التي يفهم بها المقلد أن هذا الناقد المجتهد يعل ذلك الحديث، مثل إشارة الناقد إلى إعلال الحديث بتأخيره في الباب، كما يفعله الإمام مسلم في «صحيحه» أحياناً، أو إشارة الناقد إلى إعلال حديث مرفوع متصل السند باقتصاره في الباب على إيراد حديث موقوف أو مرسل دون ذلك الحديث المسند، أو بعدم إخراجه الحديث المرفوع في كتابه مع صراحته وشهرته وقوة الحاجة إليه، كما يفهم من صنيع الإمام البخاري في «صحيحه» أحياناً، أو إشارة الناقد إلى إعلال الحديث المسند بروايته الحديث المرفوع ثم اتباعه بالموقوف في كتاب مخصص للأحاديث المرفوعة، كما يفعله الإمام أحمد في «مسنده» أحياناً، ومثل امتناع الناقد من التحديث بالحديث مع أن ظاهر سنده الصحة، فيدل ذلك على كونه معلولاً، كما يفعله يحيى بن سعيد القطان أحياناً؛ فهذه ونحوها إنما تدخل في باب آخر من القرائن رأيت أن أسميها قرائن الإعلال التقليدية، ولم أتطرق إلى دراستها في هذه الرسالة، خشية الإطالة.
ولما كان علم العلل هو - في الأصل - علم أوهام الثقات في أحاديثهم، فلذلك لم أذكر شيئاً من العلل الظاهرة ولا شيئاً من علل أحاديث الضعفاء والمجاهيل والأسانيد المنقطعة، إلا بقدر ما يبين طريقة علماء العلل في الإعلال واستعمال القرائن.
ولم أتوسع في التعليق على القرائن إلا بقدر ما يقررها ويوضح معناها ويبين حدود استعمالها ومواطن تقييدها، وقلما أتطرق إلى ما يخالفها فأبطله، لأن ذلك مما يطول على القارئ ويثقل عليه مع أنه ليس من أسس هذا البحث ولا من مقاصده.
وأما طريقتي في كتابة مطالب البحث وتناول مسائله، فأهم ما أريد أن أبينه منها ما يلي: