ولقد أردت أن يكون هذا البحث في أدق وأهم وأغمض فروع علم الحديث، وهو علم العلل «(1)»، رجاء أن أقدم شيئاً - ولو يسيراً - من خدمة نافعة في هذا العلم العظيم الذي نحتاج فيه - بسبب صعوبته وكثرة نفعه - إلى سلسلة متواصلة من الدراسات الجادة المتأنية المتبحرة، ومن الله التوفيق.
ولقد دفعني لاختيار هذا الموضوع للبحث أمور أهمها ثلاثة هي:
الأمر الأول - «وهو سبب اختياري موضوعاً حديثياً من بين موضوعات العلوم الشرعية» -: هو كمال شرف هذا العلم العظيم، أي علم الحديث، وشدة حاجة كل طالب علم شرعي وكل داعية مسلم إليه «(2)».
الأمر الثاني - «وهو سبب اختياري علم العلل من بين علوم الحديث» -: هو عزة علم العلل رغم عظم شأنه، وقلةُ أهله والمشتغلين به قديماً وحديثاً، رغم أنه خزانة أسرار أحاديث الثقات، وميزان نقد المرويات الذي تخضع له سائر موازينه وتقف دونه بدرجات.
(1) «» قال الحافظ العلائيّ في وصف علم العلل: «وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكاً»؛ نقله عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في «النكت على كتاب ابن الصّلاح» «2/ 777».
(2) «» فإن من قل نصيبه من علم الحديث وتمييز صحيح الأحاديث من سقيمها قلّ نصيبه من الإصابة في فنه الذي اختص به، مفسراً كان أو فقيهاً أو مختصاً بعلم العقائد أو السيرة أو غير ذلك من العلوم التي يَكْثُر استنادها إلى مرويات مرفوعة أو موقوفة.