وأما سبب اشتهار هذا العلم بالاسم المطلق أي «علم العلل»: فهو أن من ينبه من كبار النقاد الأئمة كبار طلابه أو بعض أقرانه على علة حديث أو يصنف في ذلك كتاباً فهو في الغالب إنما يقتصر في تلك التنبيهات على العلل الخفية ومظان الإيهام وما قاربها، لأن العلل الظاهرة إما معروفة أو لا تصعب معرفتها على من تطَلَّبها عن أهل العلم بالحديث والبارعين من طلبته فليس بأولئك المخاطبين كبير حاجة إلى التنبيه عليها، والإحالة فيها على كتب الجرح والتعديل لا على كتب العلل؛ وكذلك الذين يسألون إماماً من أئمة العلل عن الأحاديث يغلب أن يسألوه عن دقائق الأمور وعلى رأسها الأحاديث المعلة بعلل خفية والأحاديث المحتملة لذلك الوصف، ومنها يكون في الحقيقة سالماً من العلة، ولذلك وغيره تراهم يصححون في تلك الإجابات بعض الأحاديث، فهم إنما يصححون إما لهذا السبب وهو أنهم سئلوا عن سلامتها من العلة؟ أو لسبب ثان وهو أنهم يريدون إعلال ما خالفها بها، وترجيحها عليها، وإما لسبب آخر مناسب للمقام الذي هم فيه وللمقصد الذي يهدفون إليه.
وأما كتب العلل فتضم ثلاثة أمور رئيسة:
الأول: التنصيص على علل خفية واقعة في الأحاديث، نقلاً عمن تقدم أو اجتهاداً.
الثاني: التنصيص على تفرد الرواة بالأحاديث.
الثالث: بيان اختلاف الرواة في الروايات.
وإنما ضمت هذين القسمين أيضاً ولم تقتصر على القسم الأول، لأن معظم الإعلال بالعلل الخفية يستند إلى المخالفة والتفرد، أولاً، ولأن الحكم بالعلة الخفية لا يتيسر في كل وقت فيكتفى أحياناً بذكر مظانه ومستنداته وأهمها التفرد والمخالفة؛ ولذلك ألف علماء العلل كتب الأفراد والغرائب، أو أكثروا من التنصيص عليها في كتبهم، كالدارقطني والبزار والطبراني، وألفوا في الاختلاف ككتاب «الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس» للدارقطني، وكذلك يحرص النسائي في «السنن الكبرى» على بيان اختلاف الرواة، فهذه كتب خادمة لعلم العلل.