تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طبيعة لم تغيرها القرون قديما، لما مس بنى إسرائيل الضر وطالت عليهم الأيام النحسات تحت حكم الفراعنة، قالوا لنبيهم الكبير موسى عليه السلام: (قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون). واستمع موسى إلى شكوى قومه، وهو بهم خبير، وتساءل فى أعماقه: ترى ماذا تكون حالهم إذا ملكوا أزمة السلطة واستطاعوا تصريف الأمور؟ أيكونون خيرا من الفراعنة وأدنى إلى مرضاة الله؟ أم يكونون شرا من الفراعنة وأقبح سيرة وخلقا؟ ولم يصارح موسى قومه بما يدور فى نفسه، واكتفى بأن قال لهم هذه الكلمات: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) وهى كلمات لها دلالات بعيدة تحمل قدرا غير قليل من الريبة فى مستقبل بنى إسرائيل لو حكموا ووقعت فى أيديهم مصاير الآخرين.. وشاء الله أن تزول دولة الفراعنة، وشاء أن تقوم لبنى إسرائيل ـ فى التاريخ القديم ـ دولة! ونظر الناس إلى المستضعفين القدامى وقد أصبحوا سلاطين ينهون ويأمرون. وعجبت الدنيا لأن لوقا آخر من الفراعنة قد برز، وصورة أخرى من الجبروت قد ظهرت. إن اليهود لما حكموا تنفست فيهم غرائز الشر والجور، وسيطرت نوازع الأثرة والقسوة، وقطعت رؤوس أنبياء كرام، ورجال عدول! وأصبح لكلمات الشرف والوفاء رنين النقود المزيفة فاختفى التعامل بها على حين شاع الربا والخنا.. أكان موسى يخشى ذلك كله من قومه عندما قال لهم وهم تحت أقدام الفراعنة: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) على أية حال أذن القدر لدولة بنى إسرائيل الأولى أن تقوم، وانتشى القوم بخمرة القوة فعربدوا ما شاءوا، وملأوا الأرض بالأزمات الروحية والخلقية ومفاسد الاستعلاء والهوى، ثم طويت رايتهم كما طويت راية الفراعنة من قبل، مصداق القانون الإلهى الصارم: ص _204

علل وأدوية · الصفحة ٢١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

علل وأدويةص ٢١١