يقول بعض المؤرخين: إن الذي حمل السلطان سليمان القانوني على إشهار الحرب على الصفويين قسوة الفرس واضطهادهم السنة أبناء مذهبه، في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية قد بلغت فيه مبلغا عظيما من القوة.
فصمم السلطان على الانتقام منهم، فأعلن الحرب عليهم، فافتتحت جيوشه تبريز، ثم بغداد في سنة 941ه ثم الموصل، ودانت له بلاد الرافدين، ولعله اتخذ اضطهاد أبناء مذهبه ذريعة للاستيلاء على هذا القطر شأن أكثر الملوك حينما يخدمهم السعد، وتقبل عليهم الدنيا.
أما البصرة: فإنها كانت يوم مجيء السلطان سليمان إلى بغداد بعد دخول جيشه فيها بأيام تحت حكم أمير فارسي اسمه راشد خان، وكان قد بلغه سقوط بغداد وغيرها، فخاف على نفسه ومنصبه فسار إلى بغداد؛ للمثول بين يدي هذا الفاتح الكبير، فلما قدمها عرض الطاعة والخضوع، فأقره السلطان على البصرة على شرط أن تكون الخطبة والنقود باسم السلطان، وأن يكون ممتثلا لأوامر ولاة بغداد الأتراك في المسائل الهامة، فعاد راشد خان إلى منصبه، ولكنه استبد بالأمور بعد أشهر كأن لم تكن له رابطة بالدولة العثمانية، فاضطرت إلى إرسال جيش بقيادة الوزير إياس باشا لطرد راشد خان من البصرة،
3
فلما اقترب جيش الأتراك فر راشد خان، فدخل الأتراك البصرة بدون حرب في سنة 953ه، فنظم إياس باشا شئون البصرة، وضم إليها واسطا وجزائر شط العرب.
وظلت البصرة في قبضة الأتراك التابعين لولاة بغداد إلى سنة 1005ه فاستقل بها أمراؤها، واستبدوا فيها، وحكموا أهلها بما تشتهيه نفوسهم. دخلت سنة 970ه فوجهت إمارة البصرة إلى درويش علي باشا التركي، وكان هذا سيئ التدبير غير كفؤ للحكم؛ فزل نفوذه، وقلت الأموال عنده؛ حتى عجز عن أرزاق الجند المحافظين للمدينة. (4-1) استقلال الأمراء بالبصرة
كان رجل في البصرة يدعى أفراسياب الديري،
4
وكان كاتبا لأميرها علي باشا، فلما ضعف أمر الأمير، وقلت عنده الأموال، وعجز عن تدبير شئون الإمارة وإعاشة الجند حتى استخف به الأهلون؛ تساوم مع كاتبه أفراسياب على إمارة البصرة، فباعها له بثمانية أكياس من الذهب - والكيس ثلاثة آلاف محمدية - على شرط أن يكون أفراسياب خاضعا لسلاطين آل عثمان، وأن يخطب لهم على المنابر، ويضرب السكة بأسمائهم، وعلى هذه الشروط استلم أفراسياب إمارة البصرة، واستلم علي باشا المال، وسار إلى الأستانة، وذلك في سنة 1005ه في عهد السلطان مراد الثالث، وهذا الحال - أعني بيع إمارة كإمارة البصرة التي هي باب العراق سواء علم بذلك السلطان أو بالعكس - مما يدل على شيوع الفوضى في المملكة العثمانية يومذاك.
ولم تمض على أمر أفراسياب أشهر حتى قوي أمره، وخافه الأمراء، وكان أهلا للإمارة؛ فأحبه الناس لسيرته الحسنة، ثم استولى على أكثر الجزائر، ومنع ما كان يأخذه من البصرة حاكم الحويزة السيد مبارك خان من الجوائز السنوية التي كانت أشبه بالجزية - أو الخاوة - وكذلك منعه من أخذ شيء من جهة شط العرب الشرقية،
5
وظل السعد يخدم أفراسياب حتى بقي مستقلا بالبصرة وما يتبعها سبع سنوات، فتوفي بالبصرة في سنة 1012ه، وتولى الإمارة ابنه علي باشا بوصية منه، وكان حازما كأبيه، فافتتح بقية الجزائر
6
وكوت معمر وكوت الزكية، وفتح صدره للعلماء والشعراء وأمن السبل، وفي أيامه ولد بالبصرة في سنة 1025ه شهاب الدين بن معتوق الموسوي البصري الشاعر المتوفى سنة 1111ه.
وفي أيامه في سنة 1036ه زحف القائد الفارسي صفي قلي خان بجيش كبير من الفرس على البصرة بأمر من الشاه عباس الأول بعد أن افتتح الشاه بغداد في سنة 1032ه، فحاصر هذا القائد البصرة حصارا شديدا دافع في خلاله علي باشا دفاع الأبطال، وبينما هم في ذلك إذ فاجأهم خبر موت الشاه، فتركوا الحصار، وعادوا إلى بغداد؛ إذ كان صفي قلي خان يومذاك قائدا لجيش بغداد الفارسي.