على إثر فتح الأبلة نزل عتبة بجيشه على طرف البر إلى جانب مسلحة الفرس التي خربت في تلك الأثناء فسموها الخريبة، واتخذ المكان معسكرا؛ لأنه لا يحول الماء بينه وبين مكة؛ إذ كان من ذلك الموضع على الضفة الغربية للفرات إلى مكة رمال وجبال وسهول لا يفصل بينهما نهر، ثم كتب إلى الخليفة الثاني في موسم الشتاء يستأذنه بالبناء فأذن له، فبنى مسجدا ودارا للإمارة من القصب في الرحبة التي سميت رحبة بني هاشم، وذلك في سنة 14ه/636م فبنى الناس بيوتهم من القصب، وقد بنيت على بعد أربعة فراسخ من مدينة الأبلة قرب الخليج الفارسي في منتهى العراق عند موقع الزبير.
وعلى إثر ذلك اجتمع أهل ميشان، وخرجوا لقتال المسلمين، فخرج إليهم عتبة فهزمهم، وأخذ مرزبان ميشان أسيرا.
وبعد قليل استعمل عتبة على جيشه مجاشع بن مسعود، وسيره إلى الفرات، واستخلف على المدينة المغيرة بن شعبة إلى أن يعود مجاشع فإذا قدم فهو الأمير، وسار عتبة إلى يثرب عاصمة المسلمين لملاقاة الخليفة عمر بن الخطاب. فانتصر مجاشع بن مسعود على أهل الفرات. أما المغيرة بن شعبة فإنه بلغه أن الفرس القريبين منه اجتمعوا لقتاله، فخرج إليهم بمن معه فلقيهم بالمرغاب، وانتصر عليهم، وكتب بذلك إلى الخليفة. فلما وصل كتابه إلى الخليفة قال لعتبة: «من استعملت على البصرة؟» فقال: «مجاشع بن مسعود»، قال: «أتستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟» وأخبره بما كان من أمر المغيرة، وأمره بالرجوع إلى عمله، وأوصاه بوصايا هامة، فمات عتبة في الطريق في سنة 14ه.
ولما بلغ الخليفة الثاني موت عتبة ولى على البصرة المغيرة بن شعبة، وذلك في سنة 14ه، ثم عزله في سنة 16ه وولى عليها أبا موسى الأشعري.
15
وفي هذه السنة - سنة 16ه - حدث حريق بالبصرة فخافوا الحريق مرة أخرى فاستأذنوا الخليفة في البناء باللبن، فأذن لهم وكتب إليهم يقول: «افعلوا، ولا يزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات، ولا تطاولوا في البنيان، والزموا السنة تلزمكم الدولة»، فخططوا المناهج والشوارع، وجعلوا المدينة خططا بحسب القبائل لكل قبيلة خط، وجعلوا عرض شارعها الأعظم ستين ذراعا وعرض ما سواه عشرين ذراعا، وجعلوا عرض كل زقاق سبعة أذرع، ووسط كل خط رحبة فسيحة لمرابط خيولهم، وتلاصقوا بالمنازل، وأول شيء بني فيها مسجدها ووضعوه في الوسط بحيث تتفرع الشوارع منه،
16
ولما أذن عمر ببنائها باللبن ساق إليها جماعات كبيرة من أشراف العرب من أهل البادية، وأسكنهم فيها، وكان على تنزيلها أبو الحرباء عاصم بن دلف.
17 (7) البصرة في عهد الخلفاء الراشدين
لما تم فتح العراق بعد سقوط المدائن عاصمة الفرس على يد القائد الإسلامي سعد بن أبي وقاص في سنة 16ه الموافقة لسنة 637م؛ رتب الخليفة الثاني عمر بن الخطاب العمال، وقدر رواتبهم، وأقر أبا موسى الأشعري على ولاية البصرة، وجعل له ستمائة درهم في الشهر، ووجه شريح بن الحارث على قضاء البصرة، وأجرى عليه مائة درهم وعشرة أجربة في الشهر.
18
وكتب إلى أبي موسى الأشعري بإبقاء الخراج بالمساحة باعتبار الجريب كما كان في أيام الفرس؛ على الجريب من الحنطة قفيز ودرهم - أو أربعة دراهم - وعلى الشعير درهمين، وعلى الجريب من النخل ثمانية دراهم، ومن الكرم - العنب - عشرة دراهم، ومن القصب ستة دراهم، ومن الرطبة خمسة دراهم، سواء زرعت الأرض أم تركت - والجريب 3600 ذراع مربع، والقفيز عشر الجريب - أما الأراضي التي كانت للدولة الفارسية المنقرضة وهي التي صارت ملكا للدولة الإسلامية؛ فإنه وضع عليها العشر كما وضع المكس على التجارة.
وأبقى الجزية على أهل الذمة كما كانت في عهد الفرس باعتبار درجات الناس ومقدرتهم، واستثنى نصارى العرب منها، وجعل عليهم الزكاة كالمسلمين؛ لأنهم نصروا جيوشه.