تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما ضم عبد الملك البصرة إلى أخيه بشر في سنة 72ه استخلف على الكوفة عمرو بن حريث، وسار إلى البصرة، فورده كتاب عبد الملك يقول فيه: «أما بعد، فابعث المهلب في أهل مصره إلى الأزارقة - الخوارج، ولينتخب من أهل مصره ووجوههم وفرسانهم وأولي الفضل والتجربة منهم، فإنه أعرف بهم، وخله ورأيه في الحرب فإني أوثق شيء بتجربته ونصيحته للمسلمين.» فدعا بشر المهلب، وتلا عليه كتاب عبد الملك، فلبى الأمر، وشرعا بتجهيز الجيوش، وجاءتهم نجدة من الكوفة، فسار المهلب بالجيوش حتى وصل رامهرمز وبها الخوارج، وقبل الاشتباك بالحرب جاءهم نعي بشر بن مروان من البصرة وخبر إسناد إمارة البصرة إلى خالد بن عبد الله بن أسيد، فرفض القتال كثير من أهل البصرة والكوفة، فكتب إليهم خالد يأمرهم بالعودة ويحذرهم المخالفة، فلم يجد ذلك فيهم نفعا، وذلك في سنة 73ه. وفي أيام بشر كثرت الخوارج في أطراف البصرة، وأغاروا على القرى، وخربوا عدة منها، وقتلوا ونهبوا، فجهز لهم بشر فمزق جموعهم. (8-6) إمارة الحجاج

دخلت سنة 75ه الموافقة لسنة 695م فولى عبد الملك بن مروان الحجاج بن يوسف الثقفي العراقين - البصرة والكوفة،

41

فوصل الحجاج الكوفة في اثني عشر راكبا على النجائب، وأرسل إلى البصرة الحكم بن أيوب الثقفي أميرا من قبله، وبعد أيام قليلة سار الحجاج إلى البصرة، فاستقبله الناس، فلما وصلها دخل مسجدها، وخطب خطبة تشابه خطبته بالكوفة، وبعد أن هددهم وتوعدهم قال: «إن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم - يعني الخوارج - مع المهلب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذه عطاءه بثلاثة أيام إلا ضربت عنقه»، ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون، فجاءه رجل يشكري فقال: «أيها الأمير، إن بي فتقا، وقد رآه بشر بن مروان فعذرني، وهذا عطائي مردود في بيت المال.» فلم يقبل الحجاج عذره وقتله، ففزع لذلك البصريون، خصوصا وأنهم كانوا قد حقدوا عليه، وأضمروا له الشر منذ أغلظ لهم القول في خطبته وتهددهم، فخرجوا حتى تداركوا على العارض بقنطرة رامهرمز، وخرج الحجاج حتى نزل رستقاباذ ومعه وجوه أهل البصرة، وكان بينه وبين المهلب ثمانية عشر فرسخا، فقام الحجاج في الناس، فقال: «إن الزيادة التي زادكم ابن الزبير في أعطياتكم لست أجيزها»، فقام إليه عبد الله بن الجارود العبدي، وقال: «إنها ليست بزيادة ابن الزبير، ولكنها زيادة أمير المؤمنين عبد الملك، أثبتها لنا»، فكذبه الحجاج وتوعده، وذلك في أوائل شعبان سنة 75ه.

ثم وجه الحجاج المهلب لقتال الخوارج، ووجه معه البصريين والكوفيين، وظل المهلب يطارد الخوارج مدة حتى قهرهم بعد أن جرت له معهم حروب عديدة لا محل لذكرها هنا، وظل البصريون يضمرون الشر للحجاج حتى اجتمعوا سرا فبايعوا عبد الله بن الجارود بالإمارة، فخرج ابن الجارود في سنة 77ه، وتبعه وجوه البصرة، فتجهز الحجاج لقتالهم، وبعد عدة معارك خاف أصحاب ابن الجارود من أن يمد عبد الملك الحجاج بالجيوش؛ فانضمت إليه جماعة بعد أخرى، حتى انحاز أكثرهم إلى الحجاج، وظل ابن الجارود بشرذمة قليلة فانتصر الحجاج، وقتل زعيم الثورة ابن الجارود وجماعة من أصحابه، ودخل البصرة ظافرا. ثم حدثت الحروب المشهورة بين الحجاج وشبيب بالكوفة، كان النصر في آخرها للحجاج. (8-7) استيلاء ابن الأشعث على البصرة

ولما بعث الحجاج عبد الرحمن بن الأشعث إلى سجستان لقتال الثائرين هناك جهز عشرين ألفا من البصرة ومثلهم من الكوفة، وسيرهم معه إلى سجستان. فلما صالح ابن الأشعث الثائرين عزله الحجاج، فاتفق ابن الأشعث مع رؤساء جيشه على الخروج على الحجاج، فعادوا من سجستان، فلما كانوا في فارس خلعوا عبد الملك بن مروان، وبايعوا ابن الأشعث، فسار بهم إلى العراق قاصدا قتال الحجاج ونفيه من البلاد، وبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى عبد الملك يخبره ويسأله أن يوجه إليه الجنود من الشام، فبادر عبد الملك بإرسال الجنود، والحجاج مقيم بالبصرة، وبعد قليل وصل ابن الأشعث العراق، فالتقى جيشه بجيش الحجاج في «تستر»، فانكسرت مقدمة الحجاج وجاءته الهزيمة، فرجع ونزل الزاوية، وجاءت جيوش ابن الأشعث حتى نزلت البصرة، فبايعه أهلها، وكان دخوله فيها في آخر ذي الحجة سنة 81ه.

مختصر تاريخ البصرة · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تاريخ البصرةص ١٥