فلما يئس عبد الملك من مصعب رجع إلى مقره، وكتب إلى رؤساء العراقين - البصرة والكوفة - الذين هم أمراء جيش مصعب يفسدهم عليه، ويدعوهم إلى نفسه، ويوعدهم خيرا إن أطاعوه، ويهددهم شرا إن هم عصوه، وجعل لهم أموالا عامة وعهودا وشروطا، وكتب إلى إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي قائد مقدمة مصعب يجعل له وحده مثل جميع ما جعل لأصحابه على أن يخلعوا عبد الله بن الزبير، فأجابه أكثرهم، وشرطوا عليه شروطا، وسألوه الولايات؛ لأن نياتهم كانت قد فسدت على ابن الزبير، حتى قيل: إن أربعين زعيما منهم سألوه ولاية أصبهان، فقال عبد الملك لمن حضره: «ويحكم ما أصبهان هذه؟!» تعجبا ممن طلبها، كل ذلك جرى ومصعب لا يتصور الغدر في أصحابه. فجاءه أحدهم وهو إبراهيم بن الأشتر فأراه كتاب عبد الملك، وأكد له أنه كاتب غيره، ونصحه أن يستوثق منهم أو يقتلهم؛ لئلا يكونوا سببا لفشله، فقال مصعب: «ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم»، قال إبراهيم: «فأخرى»، قال: «وما هي؟» قال: «احبسهم في السجن حتى يتبين ذلك»، فأبى مصعب، فقال إبراهيم: «عليك السلام ورحمة الله وبركاته»، وكان إبراهيم هذا قد قال لمصعب قبل ذلك: «دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبدا، وهي ما شرط الله»، فقال مصعب: «لا، والله لا أفعل، لا أكون قتلتهم بالأمس وأستنصر بهم اليوم.»
وعلى إثر ذلك اشتبكوا في القتال، والتحم الجيشان، فلما حمي وطيس الحرب حول هؤلاء الرؤساء برءوسهم ومالوا إلى عبد الملك وانضموا إليه بجموعهم، ومصعب ينظر إليهم وقد ندم على عدم سماعه النصيحة من إبراهيم، ولات ساعة مندم، وبقي في شرذمة قليلة من المخلصين له. فلما غدر أهل العراق بمصعب وانجلت خيانتهم قال لابنه عيسى: «يا بني، انج بنفسك، فلعن الله أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق»، فقال عيسى: «لا خير في الحياة بعدك يا أباه»، وظل يقاتل مع أبيه قتالا شديدا حتى قتل هو وإبراهيم بن الأشتر وجماعة من أنصار مصعب، وحمل عبيد الله بن زياد بن ظبيان على مصعب، فقال: «أيها الناس، أيها الأمير»، فقال مصعب: «غدركم يا أهل العراق»، فرفع عبيد الله سيفه ليضرب مصعبا فبدره مصعب بالسيف على البيضة، فنشب فيها، فجعل يقلب السيف ولا ينتزع من البيضة، فجاء غلام لعبيد الله فضرب مصعبا بالسيف فقتله، ثم حز رأسه عبيد الله وسار به إلى عبد الملك، فلما رآه سجد شكرا لله، وذلك في جمادى الآخرة سنة 72ه، ودفن مصعب في محل المعركة، ولم يكن لفشله سبب غير غدر أهل المصرين - البصرة والكوفة. (8-5) إمارة خالد
وعلى إثر ما تقدم بايع أهل العراق لعبد الملك بن مروان، فدخل الكوفة باحتفال عظيم فبايعه أهلها، ولما سكن الحال ولى على البصرة خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وبعد أن دبر عبد الملك شئون البلاد العراقية جهز الحجاج بن يوسف الثقفي بجيش كبير - قيل: أرسل معه ألفا وخمسمائة من أهل الشام عدا أهل العراق - وسيره لقتال عبد الله بن الزبير بمكة ، فانتصر الحجاج، ومات ابن الزبير قتيلا في سنة 73ه وانتهت الخلافة، ولم يبق أمام عبد الملك من مناظر، وكانت مدة حكم ابن الزبير على البصرة ثمانية سنوات (64-72ه)، أما أمير البصرة الجديد خالد بن عبد الله، فإنه عزل المهلب بن أبي صفرة عن حرب الخوارج، وولاه الأهواز، وأرسل أخاه عبد العزيز بن عبد الله على حرب الخوارج، فهزموه هزيمة منكرة، فلما بلغ خالدا خبر الهزيمة كتب إلى عبد الملك يخبره بها، فكتب إليه يقول: «أما بعد؛ فقد قدم رسولك بكتابك تعلمني فيه بعثتك أخاك على قتال الخوارج، وبهزيمة من هزم وقتل من قتل، وسألت رسولك عن مكان المهلب، فحدثني أنه عامل لك على الأهواز، فقبح الله رأيك حين تبعث أخاك أعرابيا من أهل مكة على القتال وتدع المهلب إلى جنبك يجبي الخراج وهو الميمون النقية الحسن السياسة البصير بالحرب المقاسي لها ابنها وابن أبنائها، انظر، ينهض بالناس حتى تستقبلهم بالأهواز ومن وراء الأهواز، وقد بعثت إلى بشر أن يمدك بجيش من أهل الكوفة، فإذا لقيت عدوك فلا تعمل فيهم برأي حتى تحضره المهلب وتستشيره فيه إن شاء الله.» فخرج خالد بجيش البصرة، وجاءه المدد من الكوفة - خمسة آلاف مقاتل - فسار حتى وصل الأهواز، ففشلت جيوشه. فلما علم بذلك عبد الملك ورآه غير ممتثل لأمره عزله، وضم البصرة إلى أخيه بشر بن مروان، وذلك في سنة 72ه، وصارت له إمارة المصرين - البصرة والكوفة، وفي أيام إمارة خالد في سنة 72ه اجتمع الزنوج بفرات البصرة ونهبوا وسلبوا ودمروا بعض القرى المجاورة للبصرة، فجمع لهم خالد جيشا فهزمهم، وقبض على جماعة منهم فقتلهم، وعلى إثر ذلك اجتمع الزنوج وأمروا عليهم رباح الملقب ب «شيرزنجي»، وساروا لقتال البصريين فحدثت بين الفريقين عدة معارك انجلت عن تمزيق الزنوج.