كل ذلك جرى في البصرة وأطرافها وبهاء الدولة مقيم في «الأهواز»، فلما بلغته قوة أبي العباس واستبداده بالبصرة خاف عاقبة أمره، فأحضر عنده عميد الجيوش من «بغداد»، وجهز له جيشا كبيرا وسيره لقتال أبي العباس، فهزمهم أبو العباس، واستمرت الحرب بينه وبين جيوش بهاء الدولة مدة، ثم حمل عليه بهاء الدولة بخمسة عشر ألف مقاتل، فاندحر جيشه وعاد بالفشل، فطمع أبو العباس ب «الأهواز»، فحمل بجيشه عليه فدحرته جيوش بهاء الدولة وعاد بالخسران، وعلى أثر هذه الهزيمة زحف بهاء الدولة بجيوش كثيرة على «البصرة» فانتصر على أبي العباس، ثم حاصر المدينة أربعة أيام، فاستولى عليها عنوة وقبض على أبي العباس فقتله، وذلك في سنة 397ه.
ثم ولى على «البصرة» الوزير أبو غالب، وعاد هو إلى «الأهواز».
وبقي عميد العراق - ويروى عميد الجيوش - أبو علي بن جعفر ب «بغداد» نائبا عن بهاء الدولة حتى مات سنة 401ه، فولى مكانه بهاء الدولة أبا غالب ولقبه فخر الملك، فظل هذا ب «بغداد» نائبا على «العراق» حتى مات بهاء الدولة سنة 403ه ب «أرجان»، وحمل نعشه إلى «بغداد» ومنها نقل إلى مشهد الإمام علي ودفن هناك، وممن تولى ديوانه ب «بغداد» علي بن محمد الكاتب، وهو الذي صنف له المنشور البهائي، وهو نثر كتاب الحماسة. (8) سلطان الدولة ابن بهاء الدولة 403-411ه
وتولى بعد بهاء الدولة ابنه أبو شجاع سلطان الدولة، فأبقى فخر الملك ب «بغداد» نائبا على «العراق»، وولى «البصرة» جلال الدولة أبا طاهر بن بهاء الدولة، ثم غضب سلطان الدولة على فخر الملك لأنه خالفه في بعض الأمور، فأمر بالقبض عليه في سنة 406ه، فأرسل مخفورا من «بغداد» إلى «شيراز»، فقتله هناك وولى على «العراق» أبا محمد الحسن بن سهلان ولقبه «عميد الجيوش»، فبقي هذا مقيما في «بغداد» يدير أمور «العراق» إلى سنة 411ه.
وفي أيام سلطان الدولة توفي ب «بغداد» الشريف الرضي الحسن بن محمد في سنة 404ه، وكان عالما فاضلا، وشاعرا مفلقا، وكاتبا بليغا، تولى نقابة نقباء الطالبين في سنة 359ه، ثم ضمت إليه الأعمال التي كان يليها أبوه، وهي النظر في المظالم والحج بالناس، وكان له من سمو المقام ما دعاه أن يكتب إلى الخليفة القادر بالله من قصيدة طويلة:
عطفا أمير المؤمنين فإننا
في دوحة العلياء لا نتفرق
ما بيننا يوم الفخار تفاوت
أبدا كلانا في المعالي معرق
إلا الخلافة ميزتك فإنني
أنا عاطل منها وأنت مطوق
وجاء سلطان الدولة إلى «بغداد» في سنة 407ه وأقام بها أياما، ثم سار منها لقتال أخيه أبي الفوارس مشرف الدولة، ولم يرجع إلى «بغداد» إلا في سنة 411ه، بعد أن تم الصلح بينه وبين أخيه المذكور، وما كادت قدماه تستقر ب «بغداد» إلا وثارت عليه الجنود فيها، ونادوا بولاية أخيه مشرف الدولة، فأسكتهم بالمال وعزم على الذهاب إلى «واسط»، فطلبوا منه أن يستخلف مشرف الدولة على «بغداد»، فاستخلفه كرها وسار إلى «واسط»، ثم عزم على المسير إلى «خوزستان»، فاستخلفه على «العراق» كله بعد أن تحالفا أن لا يستخلف أحد منهما أبا سهلان، فلما وصل سلطان الدولة إلى ششتر استوزر بن سهلان، وسيره بالعساكر لحرب مشرف الدولة وإخراجه من «العراق»، فاغتاظ مشرف الدولة واتحد مع الأتراك وجهز جيشا جرارا مؤلفا من الأتراك والديلم، والتقى بالوزير قرب «واسط»، وبعد معارك انهزم الوزير وتحصن ب «واسط» فحاصره مشرف الدولة حتى اضطره إلى الفرار بمن معه، فدخلها مشرف الدولة وأعلن استقلاله في «العراق».
وفي أيام سلطان الدولة هذا أسست في «العراق» الدولة المزيدية في أرض الحلة في سنة 403ه، أسسها أبو الحسن علي بن مزيد من بني أسد، وتولى بعده ابنه دبيس سنة 408ه بعهد منه، ثم حدثت بينه وبين أخيه الأكبر المقلد فتنة في سنة 416ه، فانتصر بنو عقيل للمقلد وأمده جلال الدولة أيضا فانهزم، وأخيرا وقع الصلح بينه وبين جلال الدولة، وتعهد دبيس بدفع المال المقرر في ولايته واستقام أمره، ثم حدثت في سنة 424ه بينه وبين أخيه الآخر ثابت فتنة، فأمد البساسيري ثابتا، فتمكن ثابت من التغلب على ملك دبيس، ثم انتصر دبيس على ثابت بمساعدة خفاجة وعاد إلى ملكه - ولم تكن الحلة حينئذ بنيت - ثم تصالحا على أن يكون لثابت بعض الأعمال، ودامت هذه الدولة 142 سنة تقريبا، أي من 403-545ه.