كان معظم سكان «العراق» في عهد الدولة الساسانية من بقايا الأراميين الأصليين - وهم الكلدان والسريان - والقبائل العربية التي منها إياد وربيعة وغيرهما، وعرب المناذرة سكان «الحيرة» وما يتبعها ، ويتخلل تلك الجموع شتات من الفرس والأكراد وغيرهم من أمم أخرى، وكان الجميع في عيش رغيد وحرية تامة، بسبب عدم تعرض هؤلاء الملوك بشرائع أهل البلاد وآدابهم وعاداتهم، وإبقائهم القوانين على ما كانت عليه قبلا، غير أنهم بدءوا باضطهاد النصارى العراقيين منذ تنصر القياصرة ملوك «رومية» بعد أن كانوا وثنيين، أي منذ أيام القيصر قسطنطين الكبير، بسبب ميل النصارى إلى القياصرة أبناء مذهبهم والتجسس لهم، خصوصا عندما كانت تقوم الحرب بين الفرس والروم، فيتجسس النصارى لأبناء دينهم، حتى إن بعض الملوك قتلوا كثيرا من رؤساء النصارى وهدموا أكثر كنائسهم، ولم يكن ذلك وحده سببا لاضطهادهم، بل إن انتشار الدين المسيحي بين عرب «العراق» من بدو وحضر، وازدياد أتباعه عاما فعاما خوف الفرس من القضاء على دينهم الزردشتي الذي اتخذوه دينا رسميا لدولتهم واجتهدوا بتقويته، خصوصا وأن الدين المسيحي كان قد صار أخيرا دينا رسميا لدولة الروم المجاورة لهم، وصار الروم ينتصرون للنصارى الذين تحت حكم الفرس، حتى إنهم كانوا يتخذون اضطهادهم في بعض الأحيان ذريعة للحرب مع الفرس، ومع ذلك كله فقد كان أهل العراق في عهد هذه الدولة سعداء بالنسبة إلى الأمم الأخرى الراضخة لحكم الأجنبي في ذلك العهد.
أما حالة «العراق» من الوجهة الاقتصادية فكانت حسنة جدا؛ لاعتناء هؤلاء الملوك بالري واهتمامهم بتوسيع نطاق الزراعة وتنشيط التجارة ورقيها، ومن أجل ذلك كان «العراق» في عهدهم غنيا جدا، وقد بلغت ثروته حينذاك مبلغا عظيما بفضل الزراعة والتجارة والصناعة، واشتغل أبناء الرافدين في أيامهم بالتجارة برا وبحرا، وتبادلوا بها مع أهل الأقطار البعيدة ك «مصر» و«سورية» و«الهند» و«فارس» وغيرها، بل إن زراعة العراق كانت في عهدهم أرقى زراعة في العالم؛ بفضل ما حفروه من الترع والأنهار،
11
وأصبحت جباية هذا القطر عظيمة خصوصا في عهد أردشير الأول ودارا الأول وقباذ وأنو شروان،
12
ولم يكن اهتمام هؤلاء الملوك قاصرا على رقي التجارة وإنماء الزراعة فحسب، بل إن أكثرهم اهتموا بنشر العلوم أيضا، فأنشئوا في العراق المدارس والمراصد والبيمارستانات، وخدموا المدنية القديمة بأنظمتهم ومؤسساتهم.
أما جباية خراج «العراق» فكانت في عهدهم بالتعديل؛ أي إنهم كانوا يأخذون خراج الأراضي بالمقاسمة، فلما تولى قباذ بن فيروز جعل الخراج بالمساحة، فضرب على الجريب الواحد درهما وقفيزا مهما يكن حاله من الخصب أو الجدب، أما الجزية فعلى ما يروى أنها لم تكن عندهم قبل أنو شروان بن قباذ، وأنه هو الذي وضعها حينما عدل قوانين دولته، وكان قد أصدر قانونا بإلزام الناس الجزية ما خلا العظماء وأهل البيوتات والجند والمرازبة والكتاب ومن في خدمة الملك، كل إنسان على قدره، فجعلها اثني عشر درهما، وثمانية دراهم، وستة دراهم، وأربعة دراهم.
وكانوا قد جعلوا في كل مدينة ديوانا خاصا بالخراج تدون فيه أعماله ودخله وخرجه، وله كتاب وجباة وعمال من أهل البلاد، وعلى كل مدينة حاكم يسوسها ويدير دفة إدارتها ويرأس جندها، وقد أطلقوا على الولاة الكبار اسم «الموهباط» من الفارسية «مه آباد»، وعلى الذي يتولى الحدود «مرزبانا» - أي حافظ الحدود - وعلى العمال الذين هم أحط منزلة اسم «الرد»، وكانوا لا يولون الولاية إلا لقائد محنك يعهدون إليه الحرب والإدارة؛ أي القيادة والولاية.
وكان هؤلاء الملوك يقيمون أيام الشتاء في مدينة «أكتسيفون المدائن» التي صارت في آخر أيامهم أعظم مدينة، ويقضون المواسم الثلاثة الباقية في مدينة «اصطخر» ب «فارس»، ثم صاروا أخيرا يقضون أكثر أيامهم في «أكتسيفون»، وقد سموا ب «الأكاسرة» منذ أيام كسرى أنو شروان بن قباذ، ومعنى «كسرى»: واسع الملك، وجمعه «أكاسرة»، وعاشت هذه الدولة 425 سنة (226-651م)، وقام فيها 28 ملكا أولهم أردشير بن بابك، وآخرهم يزدجرد الثالث الذي قتل سنة 651م الموافقة لسنة 31ه في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وبقتله انقرضت هذه الدولة ومحيت من عالم الوجود على يد العرب المسلمين، بعد أن كانت من أكبر دول العالم، وتشتمل على بلاد «إيران» و«الديلم» و«جورجان»، وبلاد «بابل» - العراق - وبلاد «آشور» التي في ضمنها «كردستان»، وبلاد الجزيرة - بين النهرين، وجزائر خليج «فارس»، وقسم من بلاد العرب منها بلاد «اليمن».