صلى الله عليه وسلم
وأخبره بما فعل أبرويز، فقال: «اللهم مزق ملكه كما مزق كتابي.» فلما خلع أبرويز كتب ابنه شيرويه إلى عامله ب «اليمن» ينهاه عن مقاتلة رسول الله.
وفي عهد أبرويز حدثت المعركة الشهيرة بوقعة «ذي قار» بين الفرس والعرب التي انتصر فيها العرب انتصارا باهرا على الفرس.
ولم يملك شيرويه غير بضعة أشهر فقتل وخلفه أردشير الثالث سنة 629م، ملكه الفرس وهو طفل فجعلوا له نائبا ليقوم بأمره، وهو رئيس أصحاب المدائن - رئيس الوزراء - المدعو جسنس، فتسلم هذا زمام الأمور، ولكن الاضطرابات الداخلية كانت تزداد يوما فيوما في الوقت الذي حمل المسلمون فيه على «العراق» بقيادة خالد بن الوليد، فاختلت شئون المملكة واختلفت كلمة رجال الدولة حتى آل ذلك إلى حدوث فتنة بين رئيس القواد وبين نائب الملك، كان النصر في آخرها لرئيس القواد، فحمل بجيوشه على «أكتسيفون» وحاصرها ونصب عليها المجانيق، ثم احتلها عنوة وقتل أردشير الملك ونائبه وجماعة من رجال الدولة، واغتصب العرش ونادى بنفسه ملكا سنة 630م، ولكنه لم يلبث أكثر من أربعين يوما حتى وثبت عليه جماعة من الفرس وقتلوه، وعلى أثر ذلك اتفق رجال الدولة على تمليك بوران بنت كسرى أبرويز في السنة نفسها، فلم تملك هذه غير ستة عشر شهرا فاحتال عليها رئيس القواد بيروز وخنقها سنة 631م، فاشتد الشقاق والخلاف بين رجال الحكومة وعظمت الاضطرابات في المملكة الفارسية، وانقسم الفرس إلى ثلاثة أقسام، فبايع أهل «أكتسيفون» آزرميد وخت بنت كسرى أبرويز، وبايع أهل «خراسان» صبيا من أولاد الملوك اسمه ميهر خوسرو، وبايع أهل «اصطخر»
10
يزدجرد بن شهريار، ثم قتلت آزرميد وخت، قتلها رستم حاكم خراسان بعد أن حمل عليها بجيشه، ودخل «أكتسيفون» حربا عقب عدة معارك، ثم قتل ميهر خوسرو أيضا فسادت الفوضى في البلاد واختل النظام، والذي زاد الدولة اضطرابا وزعزع أركانها توغل العرب المسلمين في العراق، الذين جاءوا للفتح منذ أيام أردشير الثالث، أي سنة 629م بقيادة خالد بن الوليد في عهد الخليفة الأول أبي بكر.
ثم اتفق أهل «أكتسيفون» على تمليك حشنشده ابن عم أبرويز سنة 632م، فقتل هذا بعد شهر من تمليكه، وولوا مكانه فيروز بن مهران من نسل أنو شروان، فقتل بعد بضعة أيام وملك بدله سابور بن شهريزان، وكان طفلا فقام بأمره أحد كبار رجال الدولة اسمه فرخ زاد خسرو بن البنذوان، ولم يمض ثلاثة أشهر حتى قتل الملك ونائبه، وزاد أمر الدولة اديارا بسبب تلك الفتن المستمرة وطمع بها أعداؤها، فلما أدرك الفرس خطورة موقفهم اجتمعوا على تمليك يزدجرد الثالث ابن شهريار الذي أجلسه على العرش أهل «اصطخر»، فاستقدموه منها إلى «أكتسيفون»، وأجمعوا كلمتهم عليه، فحضر «أكتسيفون» سنة 632م فدانت له الفرس. (2) انقراض الدولة الساسانية
جلس يزدجرد الثالث على عرش المملكة الفارسية في الوقت الذي كانت فيه الدولة قد ضعفت من توالي الفتن الداخلية، وزادها ضعفا توغل العرب المسلمين في العراق وحروبهم الشديدة مع الفرس منذ أيام أردشير الثالث وأيام الخليفة الأول أبي بكر الصديق، فكان هذا الملك يبذل جهده في إخماد الثورات الداخلية القائمة بين قومه من جهة، ويصد هجمات العرب الذين جاءوا للفتح من جهة أخرى، حتى ارتبك عليه الأمر، ولكنه كان مع كل ذلك جلدا لا يظهر الضعف ولا يتظاهر بالعجز أمام العرب، وظل يجهز الجيوش لقتالهم، فانتصروا عليه في أكثر الوقائع وفي الأخير أصلوه حربا حامية في وقعة «القادسية» الشهيرة سنة 636م، ثم أجبروه على الهزيمة من «العراق» إلى بلاد «فارس» سنة 637م، بعد حروب عديدة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وقامت دولة الإسلام في «العراق» وانقرضت منه دولة «الفرس» التي حكمته 410 سنوات (226-637م). (3) تتمة لما تقدم