تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا باب ما لا يعمل فيه قبله من الفعل الذي يتعدى إلى المفعول لا غيره.

هذا باب الحروف الخمسة التي تعمل فيما بعدها كعمل الفعل فيما بعده.

لا أنوي هنا مناقشة وجهات النظر التي ترتبت على مفهوم العامل في تاريخ النحو العربي، وكونه هو المؤثر أو أنه أمارة أو أنه علامة فقط، أو لا عمل له على الإطلاق. إنما أود أن أقترح أن مفهوم العامل حدد به سيبويه النحو العربي، من حيث هو علم، يختلف مثلا عن علوم اللغة والدين والتاريخ؛ أي إن مفهوم العامل مفهوم أساس في دراسة النحو العربي، ومفهوم مؤسس. والنقاش الذي أثاره العامل في تاريخ النحو العربي، وقبوله الضمني بين النحاة - مهما كانت رغبتهم في متابعة سيبويه أو رغبتهم في مجادلته أو معارضته - أقول: أود أن أقترح أن يكون مفهوم العامل هو المفهوم المؤسس الأول للنحو العربي؛ لأننا لن نجد نحويا لا يسلم في البادية بهذا المفهوم.

إن مشكلة مفهوم العامل من حيث هو المفهوم الأول والمؤسس للنحو العربي ليست في ظهوره. فلا مشكلة في أن الفعل «ضرب» هو العامل في رفع زيد ونصب عمرو في قولنا: «ضرب زيد عمرا». إنما تكمن المشكلة في عدم ظهوره، كما في قولنا: «زيد» جوابا على من سأل: «من ضرب عمرا؟» في هذه الحالة يظهر مفهوم مؤسس آخر هو مفهوم الإضمار. وكل النحاة يعرفون إجابة سيبويه التالية: «إذا رأيت رجلا متوجها وجهة الحاج، قاصدا في هيئة الحاج، فقلت: «مكة ورب الكعبة.» حيث زكنت (حدست) أنه يريد مكة، كأنك قلت: «يريد مكة والله.» ويجوز أن تقول: «مكة والله.» على قولك: «أراد مكة والله.» كأنك أخبرت بهذه الصفة عنه أنه كان فيها أمس. فقلت: مكة والله، أي أراد مكة إذ ذلك.»

9

وتأكيدا لأهمية مفهوم الإضمار نص سيبويه عليه. وسأدرج من الكتاب ما يشير إلى ذلك.

هذا باب ما يضمر فيه الفعل المستعمل إظهاره في غير الأمر والنهي.

هذا باب ما يضمر فيه المستعمل إظهاره بعد حرف.

هذا باب منه يضمرون الفعل لقبح الكلام إذا حمل آخره على أوله.

هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره من المصادر في غير الدعاء.

لا أنوي هنا مناقشة ما طرأ بعد ذلك على مفهوم الإضمار في تاريخ النحو العربي، إنما أريد أن أؤكد على أن مفهوم الإضمار هو المفهوم المؤسس الثاني للنحو العربي، ومثله مثل مفهوم العامل. لا أظن أننا سنجد نحويا لا يسلم بأهمية هذا المفهوم.

لقد أرسى سيبويه النحو العربي بوصفه علما، وحدد طريقه للآخرين. أكتفي هنا بابن جني النحوي الأهم عندي بعد سيبويه. من قرأ كتابه الخصائص يعرف أن ابن جني أنجز مهمة مملة ولكنها حيوية جدا في تاريخ النحو العربي. فقد أراد من تأليف كتابه الخصائص أن يفكر من جديد في النحو، وأن يحدد أصوله على أصول الكلام والفقه مما مكن من استخدام مفهوم العلة على نحو منتج ومفيد. يقول: «... أنا لم نر أحدا من علماء البلدين (البصرة والكوفة) تعرض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه، فأما كتاب أصول أبي بكر (ابن السراج) فلم يلملم فيه بما نحن عليه إلا حرفا أو حرفين في أوله، وقد تعلق عليه به. وسنقول في معناه.»

10

دشن كتاب الخصائص مفهوم العلة. بدأ ابن جني بتوضيح غرابة هذا المفهوم عن نحو تلك المرحلة التاريخية؛ أعني ما يفهم من قوله في مقدمة كتاب الخصائص عن «تعريد (هروب وفرار) كل من الفريقين: البصريين والكوفيين عنه (التعليل)، وتحاميهم طريق الإلمام به، والخوض في أدنى أوشاله وخلجه، فضلا عن اقتحام غماره ولججه.»

11

يمكن أن نستخلص من عبارة ابن جني هذه، ومن عبارات أخرى مشابهة تخص أصول الأخفش النحوية، وأصول الكلام وأصول الفقه، يمكن أن نستخلص شعور ابن جني بأن هناك جانبا من كلام العرب لم يعلل أو أنه علل بشكل بدائي. وحين ألف كتاب الخصائص أصبح عندنا نوعان من الكتب؛ كتب تصف لغة العرب، وكتب أخرى تعللها. وإذا ما كان كتاب سيبويه الكتاب الأهم في تاريخ النحو العربي الذي يصف كلام العرب، فإن كتاب الخصائص هو الكتاب الأهم في تعليل كلام العرب في التراث النحوي كله.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٩