تكمن جدة كتاب الخصائص في الوعي بمفهوم العلة؛ فبغير مفهوم العلة يبدو الحكم النحوي مليئا بالثغرات؛ أي إن ما يجعل الحكم النحوي متماسكا هو مفهوم العلة؛ فقد ساوى بين الأحكام النحوية. وهذه أعظم مساهمة لكتاب الخصائص؛ إذ بإمكان أي شخص أن يتحدى أي حكم نحوي، بشرط أن يقدم العلة لحكمه النحوي المعارض. أما المساهمة الأخرى التي لا تقل أهمية عن هذه، فهي أن النحوي لم يعد الشخص الذي يعرف الحكم النحوي فقط، إنما الشخص الذي يبحث أيضا عن علته. إننا نخطئ خطأ جسيما إذا نحن أولنا كتاب الخصائص على أنه تطوير لفكرة العلل عند ابن السراج. لذلك يجب أن نعتبر كتاب الخصائص محاولة ابن جني لإيقاظ النحو العربي ودعم مفهوميه المؤسسين (العامل والإضمار) بمفهوم جديد هو مفهوم «العلة». وعلى أي حال لن أناقش مفهوم العلة، وما ترتب عليه من عدد العلل التي وصلت إلى عشرات العلل في تاريخ النحو العربي، إنما أريد أن أؤكد أن من النادر أن نجد نحويا لا يسلم بمفهوم العلة في النحو.
يأتي بعد سيبويه وابن جني عبد القاهر الجرجاني الذي نظر إليه المعاصرون على أنه بلاغي. ومكانته لا تكاد تذكر في تاريخ النحو العربي، ولا يشكل مرجعية علمية عند التعرض لقضايا النحو. ومن المثير في هذا الصدد ما جاء في التعريف بالطبعة الأولى من كتاب «دلائل الإعجاز» التي كتبها السيد محمد رشيد رضا. كتب: «أما الكتاب (دلائل الإعجاز) فيعرف مكانته من يعرف معنى البلاغة، وسر تسمية هذا الفن بالمعاني. وأما من يجهل هذا السر ويحسب أن البلاغة صنعة لفظية محضة قوامها انتقاء الألفاظ الرقيقة أو الكلمات الضخمة الغريبة، فمثل هذا يعالج بهذا الكتاب.» تبدو غرابة هذا القول حينما نقرأ في مقدمة الكتاب أن الجرجاني نفسه أدرج كتابه في النحو وليس في البلاغة. يقول: «هذا كلام وجيز يطلع به الناظر على أصول النحو جملة، وكل ما به يكون النظم دفعة، وينظر منه في مرآة تريه الأشياء المتباعدة الأمكنة قد التقت له، حتى رآها في مكان واحد، ويرى بها مشئما قد ضم إلى معرق، ومغربا قد أخذ بيد مشرق.»
12
ويقول في صفحة أخرى: «ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ويجعله على ذكر، أنه لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفرادا أو مجردة من معاني النحو، فلا يقوم في وهم ولا يصح في عقل، أن يتفكر متفكر في معنى «فعل» من غير أن يريد إعماله في «اسم»، ولا أن يفكر في معنى «اسم» من غير أن يريد إعماله في «اسم» ولا أن يفكر في معنى «اسم» من غير أن يريد إعمال «فعل»، فيه وجعله فاعلا أو مفعولا، أو يريد منه حكما سوى ذلك من الأحكام مثل أن يريد جعله مبتدأ، أو خبرا، أو صفة، أو حالا، أو ما شاكل ذلك.» وسوف يوضح لنا بشطر بيت من الشعر كيف أن المعنى يتوقف، أو بالأحرى «يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو»، حينما نزيل ألفاظه من مواضعها.
لاحظ الجرجاني أن الفكر لا يتعلق بمعاني الكلمات المفردة؛ أي وهي متجردة من معاني النحو «إنما منطوقا بها على وجه يأتي معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها». ويستطرد: «ولم تجئ إلى فعل أو اسم ففكرت فيه فردا، ومن غير أن كان لك قصد أن تجعله خبرا أو غير خبر». ماذا يعني هذا لفكرتنا عن المفاهيم المؤسسة للنحو العربي؟ يعني أن هناك قضيتين نحويتين مفترضتين:
لكل كلمة في الجملة حكم نحوي.
ليس لكلمتين متتاليتين في جملة واحدة الحكم النحوي ذاته.
من أين جاء اللبس في حشر كتاب «دلائل الإعجاز» في كتب البلاغة والجرجاني في علماء البلاغة؟ يبدو لي أن عبد القاهر الجرجاني أراد أن يكون النحو علم علوم اللسان العربي؛ أعني العلم الشامل لكل فنون اللغة العربية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى من أن الجرجاني استطاع مستعينا بفكرة العقل الإنساني الذي يهيمن على كتابه أن يصوغ قضية الإعجاز صياغة جمالية بعد أن كانت مثقلة بالدين. لقد هيأت اللغة العربية لعبد القاهر الجرجاني سبل تحليل كلامها وفنها وجمالها من منظور النحو. ومن المفارقة أن الشعر والقرآن - وليس كلام الأعراب أو لغات القبائل التي تؤخذ عنها اللغة - هما ما سمحا له بصياغة نظريته الجمالية. فالقرآن والشعر يتمايزان عن الكلام اليومي، ولا أقدر من النحو مدخلا لتحليل الكلام الجميل والمعجز.