تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12

ذلك أن ابن مضاء يغفل مفهومين من المفاهيم الموجهة لعلم النحو وهما الخفة والثقل، وما بني عليهما. إن الإجابة التي يقترحها ابن مضاء لسؤال لماذا رفع الفاعل؟ (كذا نطقت به العرب) (ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر) إجابة ليست من العلم في شيء. ويمكن أن تتضح الفكرة فيما لو سأل أحد ما: لماذا ينبض القلب؟ فيقال: كذا خلقه الله. لا يمكن أن تطور إجابة ابن مضاء عن سؤال: «لماذا رفع الفاعل» النظرية النحوية؛ فأهمية التفكير العلمي النظري في كلام العرب الذي تنتمي إليه العلل الثواني والثوالث تكمن في أن النحو يحرر الكلام من تجربته في حياة العرب اليومية، ويجعله يتعالى عن تجربته اليومية الضيقة. وإذا كان ما يقترحه ابن مضاء يصح في الفتاوى، فلا يصح في النحو من حيث هو علم. لا تتيح إجابة «كذا نطقت به العرب» مجالا لقيم المعرفة لا سيما الفضول العلمي باعتباره روح العلم؛ فبدون الفضول الخلاق لا يمكن للنحو أن يكون نظاما مفتوحا يتغير ويتعدل ويتطور. ومن دون الأسئلة التي تتلو الأسئلة، التي نعبر عنها هنا بالفضول، لا يمكن للنحو أن يعيد بناء تاريخه.

تفترض إجابة ابن مضاء عن سؤال: لماذا رفع الفاعل؟ أنه يستطيع أن يقف أمام غموض أن الفاعل مرفوع من دون أي رد فعل. فكون الفاعل مرفوعا لا يقلق ابن مضاء غموض أن يكون كذلك، وهو ما دفعه إلى إجابته الظاهرة، والقامعة لأي تساؤل، ولهذا علاقة بغياب الشك الذي هو أحد أهم قيم المعرفة؛ فابن مضاء قادر على أن يكون منغلقا، وعلى أن يتحمل غياب الإجابة.

إذا ما تبعت هذا النوع من التحليل الذي يظهر عدم خبرة ابن مضاء بأعراف العلم؛ فسأتوقف عند دعوته إلى إلغاء القياس. لقد قيل عن القياس الكثير من الغث والسمين، لكن من حسن الحظ أن هناك بحثا

13

يمنح نظرة شاملة للقياس؛ أعني أصل القياس في الثقافة الإسلامية، واستمراريته في علمي الفقه والنحو. وأول شيء نلاحظه أن القياس هو حركة العقل لفهم الظاهرة، وهو أداة تنظيمية تحول «الكلام» إلى لغة، وترد التغاير والتعدد إلى النسق والنظام. إن الطريقة التي وصف بها نصر حامد أبو زيد كيفية اشتغال علم النحو لا سيما ما وصف به النحو من كونه نظاما ثانويا داخل إطار نظام موحد هو الثقافة العربية الإسلامية: وصف يفترض قبليا مفهوم القياس؛ وبناء على ذلك يتحدث أبو زيد عن الاستعداد الذي يزخر به هذا النظام.

بيد أننا يمكن أن نقر بأن القياس أداة من أدوات العلم من دون أن يكون هذا المفهوم مرتبطا بتأويل أبي زيد عن النظامين الإطار والثانوي، ولا بد من أن ندرك أن مفهوم القياس ضروري للعلوم. وحتى ما قيل عن الظهور المبكر للقياس الفقهي، فإن هذا الظهور ليس هو ما خلق الانسجام بين علمي الفقه والنحو؛ إنما افتراض العلم أن يكون العالم قد وصل إلى المرحلة التي تجعل منه عالما يفكر بأدوات العلم، ومنها القياس الذي أوصل النحو إلى أحد المفاهيم الموجهة لعلم النحو، وأعني به مفهوم المشابهة، وهو ما لم يكن حاضرا في وعي ابن مضاء لقلة خبرته بأعراف العلم.

يدعو ابن مضاء إلى إلغاء تمارين النحو غير العملية. يقول: «ومما ينبغي أن يسقط من النحو «ابن من كذا مثال كذا» فيقول قائل: «بوع» أصله بيع فيبدل من الياء واوا لانضمام ما قبلها؛ لأن النطق ثقيل.»

14

يعلق شوقي ضيف: «وهكذا يريد ابن مضاء أن يريحنا من كل ما يعدل بنا عن صيغ اللغة إلى ظنون النحاة في عبارات لا نستخدمها، وألفاظ يمتحن بها بعضها بعضا، وهي لا تجري في كلام العرب، وإنما تجري على ألسنة النحاة، كي يضيفوا إلى النحو كل ما يمكن من مشقة وتصعيب.»

15

يجانب تعليق شوقي ضيف الصواب؛ فظنون النحاة، وامتحان بعضهم بعضا هو ما يجعل من النحو علما، فعلماء النحو يختارون المسائل التي يدرسونها، وكل عالم منهم لا يعمل خارج انتمائه إلى النحاة. والحال أن هذا الانتماء إلى جماعة علمية نحوية يؤدي دورا حاسما في اشتغال العلماء؛ فامتحان علماء النحو بعضهم بعضا الذي ينتقده شوقي ضيف هو رغبة هؤلاء العلماء منتجي المعرفة النحوية في الاعتراف ببعضهم بعضا. إن القول بعدم أهمية التمارين غير العملية كونها لا تجري في كلام العرب موقف يتناسى امتلاك النحاة موقفا نظريا يتعاملون فيه مع الفكر، وليس مع ما هو موجود حقا؛ فثقافة النحو النظرية تفضي إلى وراء ما ينطقه العرب. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يتناسى أن هذه التمارين العملية جزء من تدريب العلماء الشباب تنمي فيهم القدرة على الملاحظة والتعليل، ولكي يسيطروا على النموذج العلمي المعتمد.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٥٠