9
لماذا نقل ابن مضاء مفهوم العامل من مجال الذهن إلى مجال الواقع؟ يجيب نصر حامد أبو زيد بأن ابن مضاء نقل موقفا أيديولوجيا من مجال النصوص الدينية (الظاهرية) إلى مجال الدرس اللغوي.
10
قد يكون هذا صحيحا، لكن ما أميل إليه هو ضعف ابن مضاء في التعامل مع أعراف العلم. معرفة ابن مضاء بالنحو، وتبحره في الدين الذي جعل منه قاضيا، وخبرته بالعالم الذي يعيش فيه لا تكفي لجعله مدركا لآليات العلم وأعرافه؛ لا لأن ابن مضاء لا يفهم أو لا يدرك أو لقصور في لغته أو فهمه، إنما لابتعاده عن مجال العلم وهو القاضي والفقيه والدارس لعلوم الدين التي تختلف أعرافها عن أعراف العلم. وما ذكره عن مفهوم الفاعل النحوي من أن الله هو الفاعل عند أهل الحق (المعتزلة)، وهو فاعل فعل الإنسان وسائر الحيوان يشير إلى أن خبرة ابن مضاء القاضي في التعامل مع العلم قليلة، وفكرته عن الكيفية التي يكون بها العلم علما ضعيفة. لا يمكن بحال من الأحوال أن أنكر تمكن ابن مضاء من النحو، لكنه تمكن القاضي والفقيه الذي يعرف النحو لكنه لا يعيه من حيث هو علم له أعرافه العلمية المختلفة عن أعراف علم الفقه. لا بد أن يفهم جيدا تشبيه ابن مضاء بالقارئ الحقيقي؛ ذلك أن القارئ الحقيقي يفرق بين ما يجري في الحكاية وما يجري في الواقع. فلو أن حكاية أوردت أن جنيا قطع مسافة بين المغرب والمشرق في غمضة عين فلن يصدق؛ لأنه قليل خبرة بالفرق بين الفني والواقعي. وكذلك ابن مضاء فيما يظهر لي؛ فهو يخلط بين النظري والعملي؛ ويبدو غير خبير بأطر العلم النظرية؛ ذلك أن نظرية كنظرية النحو العربي هي تنظيم لما «يعتقده» النحويون يساعد على أن يفهم النظام اللغوي. وقد وضعت «يعتقده» بين مزدوجتين لكي أنبه إلى أن هذا التعبير يضعف النظرية من كونها من عمل الإنسان لكي يفهم، فالإنسان هو الذي يبني النظرية ويكونها. ومع ذلك فحتى لو كان «معتقدا» علميا فلا مجال للحرام والحلال؛ لأن في هذا خلطا بين العلم وبين الأيديولوجيا. وبالرغم مما قيل عن نقل ابن مضاء المذهب الظاهري من مجال النصوص الدينية إلى مجال الدرس اللغوي، فإنني أميل إلى أنه ليس نقلا واعيا، بقدر ما هو خبرة قاض وفقيه تدرب في علوم تنتمي إلى الدين، وانتقل إلى علم يحتاج إلى خبرة مغايرة يشير إلى ذلك قوله وهو يتحدث عن تقدير العامل المحذوف: «وأما طرد ذلك (تقدير العامل المحذوف ) في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وادعاء زيادة معان فيه من غير حجة ولا دليل إلا القول بأن كل ما ينصب إنما ينصب بناصب ... فالقول بذلك حرام.»
11
أليس كلام الله كلاما؟ أبسط الإفادات العلمية في النحو تجيب بأنه كلام؛ فالفهم المبني على فهم منظم للكلام كالنحو قابل لأن يعمم على كل أنواع الكلام بدون استثناء، وتقويم مسألة ذهنية كتقدير العامل لا تكون بالحلال والحرام؛ إنما تقوم بالترابط والتماسك من جهة. أعني هل ينطوي تقدير العامل على تناقض؟ هل تقدير العامل منتظم؟ وعلى الشمول من جهة أخرى؛ أعني هل يغطي تقدير العامل المحذوف ما يفترض أن يغطيه؟ صحيح أنه لا يوجد ضمان أن تكون فكرة العامل فكرة حقيقية، لكن من قلة الخبرة أن نفكر على أنها فكرة غير حقيقية؛ فمفهوم العامل وما يترتب عليه من حذف وتقدير وإضمار ليس إلا مفهوما يستعمله النحوي كعالم، والنحو كعلم يشرح الظواهر اللغوية.
لم أرد أن يكون تحليلي لكتاب الرد على النحاة سجاليا، لكن عرض ابن مضاء للقضايا النحوية يستدعي هذا السجال، ومنها العلة التي يعرضها على النحو التالي: «ومما يجب أن يسقط من النحو العلل الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤال السائل عن «زيد» من قولنا «قام زيد» لم رفع؟ فيقال لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع، فيقول: لم رفع الفاعل؟ فالصواب أن يقال له: كذا نطقت به العرب. ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر. ولا فرق بين ذلك وبين من عرف أن شيئا ما حرام بالنص، ولا يحتاج فيه إلى استنباط علة، لينقل حكمه إلى غيره، فسأل: لم حرم؟ فإن الجواب على ذلك غير واجب على الفقيه.» لا يمكن أن نخضع علم النحو للمفاهيم التي استخدمها ابن مضاء في هذه العبارة؛ فالصواب والحرام والنص والتواتر استخدمها ابن مضاء بمعزل عما تستعمل فيه؛ أعني العلوم الدينية. ولن ينكشف عوار هذه المفاهيم التي استخدمت في مجال غير المجال الذي تنتمي إليه إلا عندما يرفض أن «يعطى الأثقل، الذي هو الرفع، للفاعل، وأعطي الأخف، الذي هو النصب، للمفعول»؛