تحضر الحياة خلف نحو سيبويه؛ أعني الناس الواقعيين الذين يتكلمون ويشكلون خلفية الكتاب، وقد انتبه ابن جني إلى هؤلاء وعددهم في سياق ثنائه على سيبويه وكتابه. يقول: «أحاط بأقاصي هذه اللغات المنتشرة ... كلام الصرحاء والهجناء، والعبيد والإماء ... حتى لغات الرعاة الأجلاف، والرواعي ذات صرير الأخلاف، وعقلائهم والمدخولين، وهذاتهم والموسوسين، في جدهم وهزلهم، وحربهم وسلمهم، وتغاير الأحوال عليهم.»
36
ثم جاء ابن جني ليواجه مهمات علمية جديدة، وكتابه الخصائص شهادة على الطريقة التي أدار بها ابن جني هذه المهمات العلمية الجديدة، وبوسع المرء الذي قرأ كتاب الخصائص أن يتوصل إلى فكرة عن تأثر ابن جني بالكتاب لسيبويه. لكن في الوقت ذاته بوسع المرء أيضا أن يتوصل إلى فكرة أخرى هي أن ابن جني لم يكن متماهيا مع سيبويه؛ ذلك أن ابن جني يهدف أساسا إلى تطوير برنامج علمي للنحو خاص به. وتكمن القيمة الأولية لتأملاته في كتاب سيبويه في إزالة الغشاء الذي غطى به النحويون نحو سيبويه حين اعتبروه كتابا في المعيار النحوي؛ ليبدو النحو الخالص عند سيبويه يتحدث بلغة العلم في تلك المرحلة التاريخية من تطور العلوم العربية.
تحدثت الأبواب الأولى من كتاب الخصائص عما لم تتحدث عنه الأبواب الأولى من كتاب سيبويه؛ كالفصل بين القول والكلام، وتعريف النحو، والإعراب والبناء. يعرض سيبويه من خلال الأمثلة كقوله: «فأما بناء ما مضى فذهب وسمع ومكث وحمد.»
37
بينما يعرض ابن جني المفاهيم من خلال عدد من الصفات المرتبطة بقاعدة ما كالإعراب والبناء. يكمن الاختلاف بين المفاهيم شبه الطبيعية عند سيبويه وبين المفاهيم الجيدة التحديد عند ابن جني في الفرق بين المفاهيم الأولية التي ترتبط بغموض الكلام في الحياة اليومية، وما يترتب على الغموض من أن المتكلم لا يستطيع أن يحدد بيقين فئة المفهوم الصحيحة فيذكر لها أمثلة كما فعل سيبويه، وبين المفاهيم التي تحدد بالاستناد إلى مجموعة من السمات كما فعل ابن جني.
يمكن أن أفهم هذا التحول في إطار المهمات التعليمية الجديدة التي تسهل فهم النحو؛ ذلك أن إنسانا ما سيسهل تعلمه النحو فيما لو أنه يعرف مسبقا الفرق بين الإعراب والبناء، ووظائف علامات الإعراب وهو ما يفهم من قول ابن جني: «ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه، وشكر سعيدا أبوه، علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل والمفعول.»
38
وهكذا فكتاب الخصائص فوق أنه شرح للكلام وما يقصد منه إلا أنه أضاف العلل والقياس للتعلم.
ربما أشار الفرق بين مفهوم المجرى عند سيبويه وبين مفهوم الحركة عند ابن جني إلى الفرق بين نحو سيبويه ونحو ابن جني؛ ذلك أن «سيبويه يفرق بين المجرى والحركة، فالمجرى علامة في آخر الكلمة تكون بالحركة وغيرها، فهو مرتبط بالتركيب المكون في نظر سيبويه من عوامل ومعمولات، على عكس الحركة، فهي غير مرتبطة بالتركيب، وإنما لها علاقة بالحرف فقط.»
39
ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم تحليل ابن جني الأصول الثلاثة (الثلاثي، والرباعي، والخماسي) وكون الثلاثي أعدلها، والعلل التي نسبها إلى الحركات في كونه كذلك.
40
إن ما لا يخطر على بال أحد في ضوء مهمات ابن جني العلمية والتعليمية هو أن يلجأ إلى علل غير علمية لكي يتخلص من مأزق بعض المعترضين المفترضين. يقول: «فإن قلت (فما تنكر) أن يكون ذلك شيئا طبعوا عليه، وأجيبوا إليه، من غير اعتقاد منهم لعلله، ولا لقصد من القصود التي تنسبها إليهم في قوانينه وأغراضه؛ بل لأن آخرا منهم حذا على ما نهج الأول فقال به، وقام الأول للثاني في كونه إماما له في مقام من هدي الأول إليه، وبعثه عليه، ملكا كان أو خاطرا؟ قيل: لن يخلو ذلك أن يكون خبرا روسلوا به، أو تيقظا نبهوا إليه على وجه الحكمة فيه. فإن كان وحيا أو ما يجري مجراه فهو أنبه له، وأذهب في شرف الحال به، وانطواء على صحة الوضع فيه.»