30
دفع حماس ابن جني للقياس إلى أن يهتم لا بطبيعة النحو الخالص، إنما بما يسمح به القياس. وإحدى الحكايات التي أوردها توضح ما أريد قوله. يقول: «وقد كان طرأ علينا أحد من يدعي الفصاحة البدوية، ويتباعد عن الضعفة الحضرية، إلى أن أنشدني يوما شعرا لنفسه يقول في بعض قوافيه: أشئؤها، وأدأؤها (بوزن أشععها وأدععها) فجمع بين الهمزتين كما ترى، واستأنف من ذلك ما لا أصل له، ولا قياس يسوغه. نعم، وأبدل إلى الهمز حرفا لا حظ في الهمز له، بضد ما يجب؛ لأنه لو التقت همزتان عن وجوب صنعة للزم تغيير إحداهما، فكيف أن يقلب إلى الهمز قلبا ساذجا عن غير صنعة ما لا حظ له في الهمز، ثم يحقق الهمزتين جميعا؟! هذا ما لا يبيحه قياس، ولا ورد بمثله سماع.»
31
لقد كان بإمكان ابن جني أن يعتبر ما سمعه من الرجل كلاما ممكنا في الشعر كما هو ممكن في الحياة اليومية حتى لو لم يرد على القياس؛ لا سيما أن ابن جني وثق في فصاحة الرجل؛ حيث يقول عنه: «من أمثل من رأيناه ممن جاءنا مجيئه، وتحلى عندنا حليته.»
32
هناك حكاية أخرى لهذا الرجل مع ابن جني. يقول: «وأنشدني أيضا شعرا لنفسه يقول فيه: كأن فاي ... فقوي في نفسي بذلك بعده عن الفصاحة، وضعفه عن القياس الذي ركبه ... ولكن هذا الإنسان حمل بضعف قياسه قوله (كأن فاي) على قوله: كأن فاه، وكأن فاك، وأنسي توجيه ياء المتكلم: من كسر قبلها وجعله ياء.»
33
لماذا لم يأخذ ابن جني ما قاله الرجل في إطار الشعر الذي يقول عنه هو نفسه «يحرف فيه الكلم عن أبنيته، وتحال فيه المثل عن أوضاع صيغها»؟
34
يبدو لي أن ذلك بسبب القياس الذي تحمس له. وهكذا يشبه ابن جني الحرفي الذي توجهه المعرفة العملية؛ كتلك التي توجه النجار من حيث إلفته ودرايته بموضوعه، مما يجعله ماهرا في إنتاج ما يريد أن ينتجه؛ أي إن ابن جني حول القياس إلى معرفة عملية، وقد سطحه بهذا التحويل، فهو يقيس من غير أن يستحضر المعنى الأصلي للنحو الخالص. فلو أن سيبويه على سبيل المثال سمع من الرجل (أشئؤها، وأدأؤها) وهو يثق بفصاحته لما تردد في قبولهما والتفكير فيهما تفكيرا علميا، من جهة إيصالهما المعنى كما هي وظيفة النحو. لكن ماذا لو أن ابن جني يحكي؛ أي يفترض سياقا نسب فيه الكلام إلى رجل من دون أن يكون هناك رجل ليتحدث عن مسألة يريد أن يتحدث عنها؟ سيكون قد ركب كلاما لا يستعمل في الحياة اليومية. ما يجعلني أميل إلى هذا هو أن ابن جني وريث نحو ونحويين؛ فالنحاة والنحو المعطى له مسبقا لا يركب الكلام من دون أن يكون مستعملا، وإذا ما حدث، فينبه إليه كما فعل سيبويه في قوله: «هذا تمثيل ولم يتكلم به»؛
35
أي إن الكلام في الحياة العامة يسبق النحو، وهو الأساس الذي يعطي النحو معنى من حيث هو علم.
كلام الحياة المنسي
تكلم الإنسان قبل أن يكون هناك نحوي ونحو. لا يدري النحوي كيف تكلم الإنسان، وليس من مهمته ولا من مهمة النحو الخالص أن يعرفا؛ ذلك أن مهمة النحوي هي أن يتمعن في تركيب الكلام. ترتب على هذا أفكار في غاية الأهمية بالنسبة للنحو الخالص، فللكلام غاية وقصد، وغاية الكلام تنعكس في تركيبه، وتركيبه يناسب وظيفته، والكلام لا يعمل على العكس مما تقتضيه طبيعة تركيبه؛ لذلك فالحاجة قائمة لمعرفة تركيب الكلام. هناك توافق مفترض بين وظيفة الكلام وبين تركيبه؛ مما يقتضي العقلانية التي نشأ وفقها النحو الخالص عند سيبويه. مهمة هذا النحو المعرفية هي أن يعرف معرفة علمية ما يستعمله المتكلمون في حياتهم اليومية؛ لذلك لا يكل ولا يمل سيبويه من تنويع العبارات التي تشير إلى المتكلم في الحياة الواقعية إلى حد يمكن فيه أن نستل من الكتاب معجما تحيل كلماته إلى إرادة المتكلم ومشيئته، وظنه وإضماره، وإعماله وخياره، واقتصاده في الكلام، واستفادته من الموقف الحياتي.