تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34

من وجهة النظر هذه، يتبين لنا أن أحد الباحثين المعاصرين لم ينتبه إلى التغير الذي يحدث للمفهوم حينما يستعار من حقل علمي إلى حقل آخر. يقول هذا الباحث عن وصف سيبويه لبعض الكلام بالحسن: «ويبدو أن هذا «الحسن» يكاد يقترب من الحديث الحسن.»

35

وكما قلنا فإن الحسن رتبة يرتقي بها الحديث الصحيح بغيره إلى رتبة الصحيح لذاته، وهو ما يشير إلى أن المفهوم المفتاح هو الصحيح؛ وليس الحسن، وهو ما يقابل مفهوم المستقيم عند سيبويه.

يذهب باحث آخر إلى أن القبح والحسن مفهومان كلاميان.

36

وكما هو معروف فإن هذين المفهومين يعبر بهما في علم الكلام عن الخير والشر، وقد يعبر بهما عن المصلحة والمفسدة. والحكم بهما إما أن يكون عقلا (المعتزلة) أو شرعا (الأشاعرة). وما يهم هنا هو أن سيبويه وإن استعارهما من علم الكلام؛ إلا أنه لم يستخدمهما استخداما كلاميا. وإذا صح أن الاستقباح والاستحسان يعتمدان على «الشيوع والكثرة في الظاهرة اللغوية»؛

37

أي إن الشائع الكثير حسن والنادر قبح، فإن هذا تحسين لغوي أو تقبيح لغوي عقلي؛ أعني حكم بهما العقل وهو يستقرئ الظاهرة اللغوية، ويستنبط أحكامها وقواعدها، ولا مجال هنا للتحسين أو التقبيح الشرعي.

سأكتفي بما توقفت عنده من استعارة النحو بعض مفاهيمه من علوم أخرى، وهي استعارة تتعلق بالشروط العقلية للممارسة العقلية النحوية. ومن غير أن أحمل مرحلة سيبويه التاريخية فوق ما تحتمل من شروط التفكر العقلي، فإن ممارسة عقلية كهذه لم تكن لتوجد ما لم يتوفر حد أدنى من الشروط على المستويين الثقافي والاجتماعي لتلك المرحلة التاريخية.

لا يمكن لي أن أعيد تفكير سيبويه العقلي في النظام اللغوي من حيث هو نحو في حدود العقل إلى مؤسسات مدينة البصرة، كما يقال مثلا على المدينة في اليونان. وإن كان الاعتراف بعقلانية البصرة يجب أن يؤخذ في الاعتبار؛ فنحو سيبويه يتميز بمعاصرته؛ ليس لعلوم الشرع فحسب إنما أيضا للعلوم الأخرى كعلم الكلام. وإذا ما كانت معرفة سيبويه بعلم الحديث معرفة المحترف الذي تعلمه، فإن معرفته علم الكلام معرفة الهاوي التي انعكست على تفكيره.

حين ترك سيبويه تعلم الحديث تعلم على الخليل بن أحمد، وسيبدي لنا وصف ابن المقفع للخليل أي شيء تميز به الخليل بن أحمد حينما قال عنه: «رأيت رجلا عقله أكبر من علمه.» وهو ما أثر في سيبويه الذي تجاوز العقل البلاغي للنحاة الذين سبقوه إلى المفاهيم النحوية التحليلية. لقد وجد وصف ابن المقفع لسيبويه الصدى الذي يستحقه. يروى عن صاحب الأخبار وراوية الآداب أبي بكر الباهلي البصري أنه نظر في كتاب سيبويه فقال: «علمه أبلغ من لسانه .»

38

والمهم هنا ليس الحبسة التي في لسان سيبويه كما يروى، إنما التفكير العقلاني الذي تنبئ به العبارة.

المفاهيم الموجهة للكتاب

في المتن الذي أحلله (رسالة الكتاب) سلسلة من أقوال سيبويه ك «اعلم» أن:

بعض الكلام أثقل من بعض؛ فالأفعال أثقل من الأسماء.

39

ما ضارع الفعل المضارع من الأسماء في الكلام ووافقه في البناء أجري مجرى ما يستثقلون، ومنعوه ما يكون لما يستخفون.

40

النكرة أخف من المعرفة، وهي أشد تمكنا.

41

الواحد أشد تمكنا من الجميع.

42

المذكر أخف عليهم من المؤنث.

43

مفهوما الخفة والثقل اللذان تضمنهما كلام سيبويه مفهومان في غاية الأهمية؛ لأن سيبويه يختبر بهما صحة الاحتمالات حين يستعرض المفاهيم النحوية المترتبة عليهما. وقد تجاوبت استنتاجاته مع هذين المفهومين؛ فالأفعال أثقل من الأسماء لذلك لا تنون لكنها تجزم وتسكن. وترتب على خفة النكرة والمفرد على الترتيب أنهما أشد تمكنا من المعرفة والجمع. وهكذا فسيبويه لا يحلل مفاهيم النكرة والمعرفة والمذكر والمؤنث والمفرد كيفما اتفق؛ إنما يحللها استنادا إلى مفهومي الخفة والثقل اللذين يستخدمهما الناطقون لكنهما غير مصاغين، وعلى هذا المستوى فإن عمل سيبويه هو الإخراج المبتكر لهذا المفهومين بعد أن كانا مألوفين، لكنهما غير معروفين.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٣٠