تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27

يضيف ابن منظور إلى ما قاله عن المجرى: «والمجاري: أواخر الكلم؛ وذلك لأن حركات الإعراب والبناء إنما تكون هناك. قال ابن جني: سمي بذلك لأن الصوت يبتدئ بالجريان في حروف الوصل منه.»

28

يقصد ابن جني بالوصل المفهوم العروضي الذي يعني حرف المد الذي يتولد عن إشباع حركة الروي، فيكون ألفا أو واوا أو ياء في اللفظ. والأمثلة التي ساقها تشير إلى هذا؛ فالفتحة في حرف العين «مصرعا» هي ابتداء جريان الصوت، وهكذا الكسرة في «فالسند» والضمة في «لائم».

ما أضافه سيبويه إلى مفهوم المجرى ليكون مفهوما نحويا هو أنه «لم يقصر المجاري هنا على الحركات، كما قصر العروضيون المجرى في القافية على حركة الروي دون سكونه.»

29

ثم استقر على مفهوم الجر في الإعراب وعلى مفهوم الكسر في البناء، وهو تطور مهم؛ لأنه ينقص كثرة المفاهيم في حالة كهذه. فعلى ما يحكى عن الخليل بن أحمد أن حالة كهذه تستدعي أربعة مفاهيم «الخفض: ما وقع في أعجاز الكلم منونا، نحو زيد. والكسر: ما وقع في أعجاز الكلم غير منون، نحو لام «الجمل». والإضجاع: ما وقع في أوساط الكلم نحو باء «الإبل». والجر: ما وقع في أعجاز الأفعال المجزومة عند استقبال ألف الوصل نحو: يذهب الرجل.»

30

استبعد سيبويه مفهوم «الإضجاع» من النحو؛ لأنه لا علاقة له بكون الكلمة معمولا لعامل فيتحرك آخرها، إنما علاقته بتركيب الكلمة حين يحرك مثلا فاء الكلمة أو عينها أو لامها بالكسرة مما لا علاقة له بالنحو.

أخذ على سيبويه أنه جعل الجزم والوقف حركتين؛ لكن ابن جني فند هذا المأخذ. فمن وجهة نظره أن سيبويه يعني بقوله مجاري أواخر الكلم «أحوال أواخر الكلم وأحكامها والصور التي تتشكل بها، فإذا كانت أحوالا وأحكاما فسكون الساكن حال له، كما أن حركة المتحرك حال له أيضا.»

31

وقد استعاد باحث معاصر رأي ابن جني؛ فالمجرى علامة في آخر الكلمة تكون بالحركة أو بغيرها؛ لأنه مرتبط بالتكوين المكون في نظر سيبويه من عوامل ومعمولات، بينما الحركة مرتبطة بالتركيب ولها علاقة بالحرف فقط، سواء أكان في حشو الكلمة أم في آخرها أم في بدايتها.

32

من جهة أخرى؛ يتضمن الباب الخامس من الرسالة «هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة فمنه مستقيم حسن، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب»

33

مفاهيم تنتمي إلى علم مصطلح الحديث، وهو علم طلبه سيبويه ثم تركه إلى علم العربية كما هو معروف، ويبدو أنه حافظ على ما تعلمه حتى وهو يدرس النحو. ويبدو من الأمثلة التي أوردها سيبويه، وحكمه عليها بمفهوم مستقيم حسن، أو محال، أو مستقيم كذب، أو مستقيم قبيح، أو ما هو محال كذب أنها أحكام تشبه الأحكام التي يصدرها رجال الحديث. على سبيل المثال: فأتيتك أمس، وسآتيك غدا، كلام مستقيم حسن يذكر بالأحاديث النبوية التي تتبعها الرتبة كقولهم عن أحد الأحاديث: حديث صحيح أو حسن. وتكمن الأهمية العلمية للمفاهيم التي أوردها سيبويه كحسن وقبيح في معياريتها؛ أي في استخدامها للحكم على صحة تركيب من الوجهة النحوية.

المفهوم المفتاح في مفاهيم سيبويه هو «مستقيم» ثم تأتي بعده مفاهيم رتبة الصحة، كأن تكون حسنة أو قبيحة أو كاذبة. ويبدو لي أن مفهوم «مستقيم» يعادل في علم مصطلح الحديث مفهوم «صحيح» من حيث هو حكم تأتي بعده رتبة الحديث كأن يكون صحيحا لكن رتبته متفاوتة.

يعني الكلام المستقيم في رتبة الحسن عند سيبويه: ما روعي فيه قواعد اللغة العربية صوتا وتركيبا ودلالة؛ أي إنه اشتمل على أعلى صفات الصحة اللغوية؛ لذلك فهو كلام مستقيم حسن. ويعني الحديث الصحيح السلامة من الشذوذ والعلل، واتصال السند بنقل العدل الضابط عن مثله. قد يكون الحديث الصحيح لذاته؛ أي إنه اشتمل على أعلى صفات القبول، وقد يكون الحديث صحيحا لغيره؛ أي صحح لأمر أجنبي عنه؛ لكونه لم يشتمل على أعلى صفات القبول كالحسن، فإذا روي من غير وجه ارتقى بما عضده من درجة الحسن إلى درجة الصحة.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافية · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ النحو العربي: منظورًا إليه من جهة تطور مفهومه: تأملات استكشافيةص ٢٩