ظل القيسيون الموتورون في مرج راهط على ولائهم لابن الزبير, وكان أحد كبار زعمائهم -زفر بن الحارث الكلابي- قد فر إلى قرقيسيا, وتحصن بها, وثابت إليه قيس, وأصبح تجمعه هناك مركزًا لشن الغارات على كلب في المناطق المجاورة له, مما كان يسبب إحراجًا بالغًا لعبد الملك الذي كان يطمح إلى استعادة بقية بلدان العالم الإسلامي تحت سيادته وسلطانه, وكان في هذه الفترة يوجه كل جهوده لاستعادة العراق من سيطرة مصعب بن الزبير, وكان لابد لعبد الملك إذا أراد أن يضم إليه العراق, وينهي سيطرة الزبيريين عليه, من أن ينهي اعتصام زفر ابن الحارث في قرقيسيا, فسار إليه في جيشه الذي كان قد جهزه لحرب مصعب ابن الزبير, وبدأ بزفر أولاً فحاصره, ولكن رجال زفر أبدوا بطولة عجيبة, وانتزعوا إعجاب عبد الملك الذي قال: لا يبعد الله رجال مضر, والله إن قتلهم لذل, وإن تركهم لحسرة(1).
(1) الكامل في التاريخ (3/61).