ثم حاول عبد الملك محاولة أخرى؛ فأرسل إليه أخاه محمدًا ليقول له: إن ابن عمك يعطيك الأمان, فقال مصعب: إن مثلي لا ينصرف عن مثل هذا الموقف إلا غالبًا أو مغلوبًا(1). ثم دارت المعركة فبدأت خيانات أهل العراق تظهر, فقد أمد مصعب إبراهيم بن الأشتر بعتَّاب بن ورقاء, وهو من الذين كانوا كاتبوا عبد الملك, فاستاء إبراهيم من ذلك وقال: قد قلت له لا تمدني بعتاب وضربائه, إنا لله وإنا إليه راجعون, فانهزم عتاب بالناس. فلما انهزم صبر ابن الأشتر فقتل(2), فكان مقتله خسارة كبرى لمصعب, لأنه -فوق شجاعته- كان مخلصًا له غاية الإخلاص, ولذلك لما اشتد القتال على مصعب وتحرج موقفه صاح قائلاً: يا إبراهيم ولا إبراهيم لي اليوم(3), تخلى أهل العراق عن مصعب وخذلوه, حتى لم يبق معه سوى سبعة رجال(4) ولكنه ظل يقاتل في شجاعة وبسالة, حتى أثخنته الجراح, وأخيرًا قتله زياد بن ظبيان.
وكان مقتله في المكان الذي دارت فيه المعركة على قصر دجيل عند دير الجاثليق(5) في جمادى الآخرة سنة 72هـ. فلما بلغ عبد الملك مقتله قال: واروه, فقد -والله- كانت الحرمة بيننا قديمة, ولكن هذا الملك عقيم(6), وبمقتل مصعب انتهت المعركة, فدخل عبد الملك الكوفة, وبايعه أهلها, وعاد العراق إلى حظيرة الدولة الأموية. وعين عبد الملك أخاه بشرًا واليًا عليها, وقبل أن يغادرها أعد جيشًا للقضاء على ابن الزبير بمكة.
1- أسباب هزيمة مصعب بن الزبير: هناك أسباب كثيرة أسهمت في هزيمة مصعب بن الزبير منها:
(1) تاريخ الطبري (7/45).
(2) الكامل في التاريخ (3/53).
(3) تاريخ الطبري (7/45).
(4) الكامل في التاريخ (3/54،53).
(5) تاريخ الطبري (7/44).
(6) المصدر نفسه (7/47).