تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

20

أرى! ما أرى إلا غبارا أثاره

خميس الليالي حينما ثار ثائره

21

مضى الطائر الصداح فالأفق موحش

حزين النواحي، عابس الوجه باسره

22

وأودى (الزهاوي) فانتهى ملعب النهى

وأطفئت الأنوار، وانفض سامره

23

أقام على رغم النبوغ بحفرة

وسارت على رغم المنون سوائره

24

وغادر عرش اللوذعية ربه

وخلى ندي العبقرية شاعره

25

دعوا ذكر إعجاز البيان وسره

فقد غاب عنه طيلة الدهر ساحره

له خاطر لو سابق البرق في الدجى

لجلى على برق السموات خاطره!

26

تملك حر الشعر سن يراعه

فيا عجبا أن حرر الشعر آسره

27

تمنى العذارى لو تقلدن دره

ورفت على أجيادهن جواهره

ويزهي العيون الدعج أن سوادها

شبيه بما ضمت عليه محابره

28

وما جاشت الصهباء إلا لأنها

وقد صفقوا مشمولها، لا تناظره

29

تمر به مرا فيسبيك بعضه

وتقرؤه أخرى، فيسبيك سائره

30

ترى فيه هذا الكون صورة حاذق

أحاطت بأسرار الحياة بصائره

وتلمح فيه الرأي في بعد غوره

كما غاص تحت الماء للدر ذاخره

31

وتلقى به الآذي في ثورانه

إذا عقله الجبار مارت موائره

32

له قلم لو لامس الطرس مرة

تدانى له صعب القريض ونافره

33

لقد كان منظار النفوس فلم يجل

بنفس هوى إلا وطرفك ناظره

34

يلوح بعيد الرأي خلف زجاجه

وحاضر تاريخ الحياة وغابره

35

براه إله الخلق عزما وجرأة

تهاب الرواسي حده وتحاذره

36

وصوره غضبا تفر لهوله

ذئاب الدنايا شردا وهو شاهره

37

كأن عصا موسى أعيدت بكفه

يصاول من يرمي بها ويغاوره

38

يقول جريئا ما يريد، وربما

يقول الفتى ما لم ترده سرائره

39

وكم من فتى يقضي بنفسين عيشه

مظاهره نفس، ونفس مخابره

40

تراه مع النساك في خلواتهم

وفي الحان قد نمت عليه ستائره

41

لسان كما طال الجرير مسبح

رياء، ومن خلف اللسان جرائره

42

إذا لم يكن في الحرب قلبك باترا

فماذا يفيد المرء في الحرب باتره؟

حنانا له! كيف استقرت به النوى؟

وكيف ثوى بعد التلهف حائره؟

43

وهل بعد ليل في الحياة مؤرق

كثير التظني أبصر الصبح ساهره؟

44 •••

شققت إليك الطرق والقلب خافق

تراوحه آلامه وتباكره

45

تذكر ألافا ألموا فودعوا

كطيف خيال أرق الصب زائره

ونحن حياة، والحياة إلى مدى

ولولا المنى لم يبذر الحب باذره

46

وإن المهود الزهر - لو علم الفتى

وفكر في غاياتهن - مقابره

47

سموت إلى بغداد والشوق نحوها

يساورني حينا وحينا أساوره

48

كلانا نأى عن أهله وعشيره

ليلقاه فيها أهله وعشائره

حبيب إلى نفسي العراق وأهله

وسالفه الزاهي المجيد وحاضره

49

ديار بها الإسلام أرسل ضوءه

فسار مسير الشمس في الأفق سائره

ومدت بها الآداب ظلا على الورى

تساوت به آصاله وهواجره

50

تجلى بها عهد الرشيد وعزه

وزاهر ملك الفاتحين وباهره

51

إذا شئت مجد العرب في عنفوانه

فهذي مغانيه، وهذي منائره!

52

أطلت على الدنيا فأبصرت الهدى

كما لمعت في جنح ليل زواهره

53

تفاخر بالغازي الذي سار ذكره

ودوت بآفاق البلاد مفاخره

54

هو الملك أمضى من شبا السيف عزمه

وأغزر من ماء السحائب هامره

55

نماه بناة المجد من آل هاشم

فجلت مراميه، وطابت عناصره

56

أعاد إلى عهد البيان شبابه

فهب فتيا ينفض الترب داثره

57

يريك به المنصور مأثور حزمه

وتذكرك المهدي فيه مآثره

58

ذكرنا اسمه طول الطريق فذللت

مصاعب متنيه وضاءت دياجره

59 •••

جميل، نداء من أخ يقدر النهى

وإن لم يمتع باجتلائك ناظره

عرفتك في آثارك الغر مثلما

تنبئ عن وجه الصباح بشائره

60

عرفت (جميلا) في جميل بيانه

يشاطرني وجدانه وأشاطره

تجاورني في دوحة النيل روحه

وروحي بدوح الرافدين تجاوره

61

إذا اجتمع القلبان فالكون كله

مكان، وإن شقت وطالت معابره

62

لنا نسب في المجد يجمع بيننا

تعالت أواسيه، وشدت أواصره

63

ألسنا حماة القول في كل محفل

تتيه بنا في كل أرض منابره؟ •••

صببت عليك الدمع سحا، ومدمعي

غزير، ولكن أجود الدر نادره

64

وأرسلت فيك الشعر لوعة موجع

تئن قوافيه، وتبكي صدائره

65

عليك سلام الله نورا ورحمة

وغادتك من سيب الإله مواطره

ديوان علي الجارم · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان علي الجارمص ٧٥