| تقديم
بقلم علي الجارم
هذا هو الجزء الثاني من شعري، أضعه بين يدي كل أديب، وأنشر صفحاته أمام كل شاعر، وأرسل صيحاته في سماء مصر وأرجاء العروبة.
شعر كانت أوزانه من نبضات قلبي، وبحوره من قطرات دمعي، هتفت به فكان صدى لروحي وخفقة لنفسي، ثم أهديته إلى مصر وأبناء مصر، وأشدت فيه بالشرق وأبناء الشرق، وشدوت بالبطولة والأبطال، وحفزت به شباب العرب إلى الاعتزاز بقومهم والتغني بالشرف التالد والمجد القديم.
شعر نصر الفصحى فنصرته، وصان لها ديباجتها فصانته، وخط للناشئين مثالا فيه نبل القديم وجدة الحديث. وأبان أن العربية تستطيع أن تقول في كل شيء دون أن يمسها من آفات العجمة شيء.
والشعر لا يقاس بالكثرة، ولا يوزن بالقنطار، وإنما هو فن من أدق الفنون حسا، وأبعدها عن طالبيه منالا. فليس كل ما صحت تفاعيله شعرا، وليس كل ما حواه إطار فنا.
إنما الشعر على كثرته
لا ترى فيه سوى إحدى اثنتين
نفحة قدسية أو هذر
ليس في الشعر كلام بين بين!
| محمد رسول الله
ألقى الشاعر هذه القصيدة احتفاء بالمولد النبوي الشريف سنة 1362ه/1943م.
تحية ناء من شذى المسك أطيب
ومن قطرات المزن أصفى وأعذب
1
وتبريح أشواق إذا ما تنفست
يكاد لها فحم الدجى يتلهب
2
وقلب يضيق الصدر عن نبضاته
فيخفق غيظا بالجناح ويضرب
تلفت في الأضلاع حيران يائسا
وأن كما أن السجين المعذب
تعاوده الذكرى فتنكأ جرحه
ويا رب جرح حار فيه المطبب!
3
ويخدعه طيف الخيال إذا سرى
فيبعث آمال الشجي ويذهب
ومن أبصر الأيام خلف قناعها
رأى الدهر يلهو، والأماني تكذب
عجائب أحداث تليها عجائب
وصبري على تلك العجائب أعجب
ولولا حياة الوهم أودى بأهله
زمان بأشواك الحقائق مخصب
4
تبسم إذا ما الدهر قطب وجهه
وصفق له في دوره حين يلعب
5
يموت الفتى من قبل أن يعرف الفتى
من الأمر ما يأتي وما يتجنب
وسيان ما يدريه والشعر فاحم
أثيت، وما يدريه والشعر أشيب
6
وقالوا: حياة المرء درس فقهقهت
صروف الليالي والقضاء المغيب
7
إذا ما جهلت النفس وهي قريبة
فأي المعاني بعد نفسك أقرب •••
حنانا لقلبي كيف طاحت به المنى
وعز على الأيام ما يتطلب؟
8
يغازله في مطرح النسر مأرب
ويختله في مسبح الحوت مأرب
9
يكاد إذا مر الحجاز بذكره
وجيرته من صدره يتوثب
بلاد بها الرحمن ألقى ضياءه
على لابتيها والعوالم غيهب
10
تكاد إذا مرت بها الشمس غدوة
حياء بأهداب السحاب تنقب
11
يجللها قدس من الله سابغ
وينفحها نشر من الخلد طيب
12
إذا نسب الناس البلاد رأيتها
إلى جنة الفردوس تعزى وتنسب
13
وإن نضبت أنهارها فبحسبها
من الدين نهر للهدى ليس ينضب
14
إذا ما جرى في الأرض فالجدب مخصب
وإن هو جافى الأرض فالخصب مجدب
يفيض على الأقطار يمنا ورحمة
ويزأر في أذن العتاة ويصخب
تفجر من نبع النبوة ماؤه
له الحق ورد والسماحة مشرب
ووحد بين الناس، لا البعد مبعد
عن الساحة الكبرى، ولا القرب مقرب
فليس لدى الإسلام شرق ومشرق
وليس لدى الإسلام غرب ومغرب
هم الناس إخوان سواء على الهدى
بطيء المساعي والشريف المهيب
15
فما حط من قدر الفزاري فاقة
ولا زاد في قدر ابن أيهم منصب
16
يجمعهم قلب على الحق واحد
وإن فرقت أوطانهم وتشعبوا
17
إذا صاح في «جيحون» يوما مؤذن
أجاب على «التاميز» داع مثوب
18
وإن ذرفت من جفن دجلة دمعة
رأيت دموع النيل حيرى تصبب
19
وإن مس جرح من فلسطين إصبعا
شكا حاجر منه وأن المحصب
20 •••
بنفسي وليدا في أباطح مكة
تتيه به الدنيا ويشرف يعرب
21
أطل عليها مثلما تبسم المنى
ويسطع في الليل الخداري كوكب
22
وكان لها رمز الحياة فأشرقت
كما هز أفنان الخمائل صيب
23
وكم مدت الأعناق ترقب لمحة
فطال عليها صبرها والترقب
توالت بها الأيام، تذهب أحقب
وتأتي على اليأس المبرح أحقب
24
إلى أن بدا نور الإله فأقلبت
عوالمها تشدو بطه وتطرب
وليد له عليا معد ذؤابة
جلالة أنساب، ومجد مؤشب
25
حوته كما اعتاد الأعاريب جفنة