تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

عاشوا صعاليك الحياة وليتهم

فازوا بصدق عزيمة الصعلوك!

أبقت ليالي الأنس من أخلاقهم

فزع النعامة وازدهاء الديك

17 •••

باريس هالتك الدماء غزيرة

فسقطت بين نصال جزاريك!

18

خفت القذائف أن تهد معالما

فتهدم التاريخ في أيديك!

ما كان أحرى لو دككت إلى الثرى

وتركت ذكرا ليس بالمدكوك!

19

ما برج «ايفل» حين يسلم مانع

همسا يطن غدا بأذن بنيك

20

لو طال صبرك في المكاره ساعة

لرأيت أن الموت قد ينجيك

إن الذي خلق الكرامة صانها

بالسيف يمحو رأي كل أفيك

21

بين المهانة والمعزة خطوة

فإذا ضللت فقل من يهديك

22

شتان بين فتى يموت مجالدا

وفتى يموت بجرعة «الفينيك»!

23

شتى أساليب الحياة، ولا أرى

للمجد غير طريقه المسلوك

24

سر البطولة في الشدائد جرأة

سيان: تفري الخطب أم يفريك

25

قد كنت في «السبعين» أكرم موقفا

والغانيات بشعرها تفديك

26 •••

باريس قد ضرب الثبات بلندن

مثلا إلى أمثاله يدعوك

عبست لهم «دنكرك» فاقتحموا الردى

ومشوا بوجه للمنون ضحوك

27

واستقبلوا نوب الزمان ضراغما

لما تخلف عاهل «البلجيك»

28

جعلوا الهزائم سلما، فتسلقوا

للنصر فوق جماجم وتريك

29

أصلتهم الهيجاء نار جحيمها

فتخلصوا كالعسجد المسبوك

30

لو أنهم وهنوا لزالت ريحهم

وقضوا عبيد الذل والتفكيك

31

ولما رمى «شر برج» منهم جحفل

في مأزق كفم الليوث ضنيك

32

ولما رأت «روما» طلائع نجدة

تشري المحامد بالدم المسفوك

33

ولما مضى «روميل» يلعق جرحه

ويجر ذيل العاثر المفلوك

34

ولما جرت في البحر تخطر سفنهم

من آخر «الهادي» إلى «البلطيك»

35 •••

باريس - والذكرى جحيم - فانظري

نحو السماء لعلها تنسيك!

36

وتذكري ماضيك فهو مجادة

قد كان أستاذ الورى ماضيك

37

يا أم «هوجو» كل شعر يرتجي

لو كان يلقى وحيه من فيك

38

أشعلت مصباح الفنون فأشرقت

بضيائه الأيام بعد خلوك

39

فيك الثقافة بالمجانة تلتقي

ماذا أقول وكل شيء فيك؟

40

يا كعبة الدنيا، ويا نادي الهوى

الآن كيف الحال في ناديك؟

41

أترى البلابل لا تزال صوادحا

أم راعها الغربان في واديك؟

42

والغانيات؟ أفزعت أسرابها

وتفرق السمار عن شاديك؟

43

طلعت عليك مع الصباح فوارس

ومشى الغريم لحقه المتروك

44

طاحوا بقيدك في الهواء، وكم لها

منن على المأسور والمملوك؟

45

وجنودك الأحرار تستبق الخطا

لترد صفعتها إلى غازيك

46

فتفرق الأعداء عنك بدائدا

والطعن فوق قفاهم المصكوك

47

سبحان من لا حكم إلا حكمه

يمضي إرادته بغير شريك

عودي إلى ظل السلام وأشرقي

كالشمس تعلو الأفق بعد دلوك

48

واستقبلي الدنيا جديدا واعلمي

أن الأسى والحزن لا يجديك

قدر الإله إذا كرهت لقاءه

فلعل في عقباه ما يرضيك

49

| هوامش

| معاهدة 19361

نشرت بالعدد الثالث من السنة الثالثة لمجلة دار العلوم عام 1937م

تقديم

يصدر هذا الجزء من صحيفة دار العلوم، وقد حقق الله لمصر ما كانت ترجوه، وتجاهد في سبيله جهاد الكماة في حومة الوغى - ألا وهو الاستقلال الذي كانت تصبو إليه النفوس وتتجه الآمال - وانتهى ذلك الكفاح، الذي طال أمده بين دولة قوية تملأ جنودها البر وسفنها البحر وطيرانها الفضاء، وبين مصر الفتية الناهضة، التي لم يكن لأبنائها من عدة، سوى ما يعمر قلوبهم من إيمان ثابت وعقيدة راسخة بأن من حقهم الطبيعي أن يعيشوا أحرارا، كما خلقهم الله أحرارا، أو يموتوا كراما بين طعن القنا وخفق البنود.

ففي سبيل مصر تلك الدماء الزكية التي خضبت الأرض، وفي ذمة الله تلك الأرواح الطاهرة، التي قدمها شباب الوادي فداء للوطن العزيز.

لقد استقلت مصر فشملها الفرح وعمها السرور، ولم ينس أبناؤها الأمجاد - وهم في نشوة النصر - ما للزعماء عليهم من حق، فقاموا يتناقشون في صنوف التكريم، ويتخذون مظاهر شتى لتقديرهم، والاعتراف لهم بكل ما قدموا من خير لبلادهم.

وكان من أروع حفلات التكريم، تلك الحفلة التي أقامها الموظفون لحضرة صاحب المقام الرفيع الرئيس الجليل مصطفى النحاس باشا وصحبه المخلصين، الذين أبلوا في سبيل الاستقلال بلاء حسنا، فقد جمعت الحفلة جمهرة من خيرة المثقفين في مصر، وكان لأبناء دار العلوم حظ في اشتراك جمهورهم فيها، وكان لشاعرهم الفذ، الأستاذ علي الجارم بك، المفتش الأول للغة العربية في وزارة المعارف قصيدة من أمهات القصائد، عبر فيها عما يكنون بين جوانحهم من وطنية صادقة، وتقدير للعاملين لخير الوطن من رجالات مصر، وإن مصر لتبدأ هذا العهد الجديد بقلب فتي وهمة وثابة، وهي ترقب من جميع أبنائها أن يشدوا العزائم، ويؤدوا للوطن ما يرفع شأنه ويعلي مكانته.

ديوان علي الجارم · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ديوان علي الجارمص ١٠٣