فأقام شعب تونس الدليل تلو الدليل على أنه بلغ رشده السياسي واكتمل وعيه القومي، وتعمق في شعوره الوطني، وأصبح يتفهم أدق المواقف السياسية، ويوجه ضرباته إلى خصمه الوحيد: الاستعمار وأنصاره، وبعد جهاد مرير مستمر خاضه وراء حزبه - الحزب الحر الدستوري - طيلة عشرين سنة، صبر وصابر وثبت وغامر فيها، أصبح لا يخشى عليه من التفكك والابتلاع، واقتنع أنه شعب عربي مسلم صاحب مجد تالد ومدنية خالدة وتاريخ عظيم، وأعرب عن إرادته الراسخة في أن يحيا حياة العزة والكرامة، وأن يقيم على تراثه الباقي، مجتمعا جديدا ونظاما حديثا ومدنية تماشي روح العصر الحاضر. ففي إمكان القوة الاستعمارية الغاشمة العمياء أن تزهق الأرواح وتعذب الأشخاص وتفسد الأقوات والأموال وتخرب البيوت، وفي إمكانها أن تسجن الأجسام وأن تضيق عليها، ولكن يستحيل عليها أن تقتل الفكرة الحرة الطليقة التي تعددت بتعدد معتنقيها، ونمت وانتشرت، وسكنت النفوس التي لا تسجن، وتغلغلت في القلوب التي لا تغل، وأصبحت عقيدة وإيمانا لا يقتلع.
ومنذ ذلك الحين شرعنا في المرحلة الثانية الأساسية، وهي معركة افتكاك النفوس السياسي ونقله من يد الفرنسيين إلى أيد تونسية، وهو عمل إيجابي صعب محفوف بالأخطار؛ لأن الاستعمار الفرنسي توغل في البلاد وتغلغل، ورمى عروقه في أرضها وانتشر على سطحها.
فالمراكز الرئيسية في الإدارات التونسية كلها، ومعاقل النفوذ والسلطة بها في قبضة الفرنسيين، حتى إنها أصبحت آلة مسخرة لخدمة مصالحهم والمحافظة على امتيازاتهم المجحفة، والتشريع وسن القوانين في أيديهم أيضا، قد مكنهم من إعطاء اعتداءاتهم المتوالية صبغة قانونية وطلاء شرعيا كاذبا، والمال الذي تخضع له الرقاب وتقوم عليه الأعمال في تصرفهم؛ إذ إنهم يتحكمون في الميزانية التونسية - دخلا وخرجا - كما تمليه عليهم أهواؤهم ومصالحهم.
ثم إن الاستعمار الفرنسي مال إلى نفوس قسم من التونسيين يدنسها ويفسدها، بل يختار أسقط الناس وأحطهم خلقا وأطوعهم لإرادته وشهواته، وإن كانوا خلوا من كل ثقافة أحيانا، فاقدين لكل ضمير، فيتخذهم أعوانا أذلاء خانعين ويسند إليهم المناصب العالية والوضيعة، ويطلق يد أطماعهم في أرزاق الناس، ويفتح لهم أبواب الارتشاء على مصراعيها، ويجعل من عباد الدرهم والدينار، الذين يسيرون في ركب كل قوي جبار، ويميلون مع النفوذ حيث مال كالظل التابع لصاحبه، صنائع له ومريدين، فيكون زمرة من الخونة المارقين، قد تعودوا الخيانة ومرنوا على الغدر والنفاق، حتى إنهم أسرعوا إلى خيانة أسيادهم الفرنسيين عندما احتلت جيوش المحور تونس، وباتوا أكثر نازية من الألمان أنفسهم. وقد انتقم الفرنسيون من بعضهم وحكموا عليهم بالإعدام كعلي بن ضياف الذي كان عاملا (متصرفا أو مديرا) في الجنوب التونسي أثناء الحرب، ثم عفوا عنهم وأرجعوا أكثرهم لمناصبهم، وهؤلاء هم أصدقاء فرنسا.
ثم إن الاستعمار الفرنسي بقي بتونس سبعين سنة، فوجد من الوقت ما يكفيه لمعرفة سهولها وجبالها، وقراها ومدنها، والمراكز الاستراتيجية المهمة فيها، والطرق المتحكمة حربيا في أجزائها، فاحتلها جميعا بقواته العسكرية، وبث البوليس الفرنسي في كل مكان، وجعل من الجندرمة - أي الدرك الوطني الفرنسي - أسيادا يسيطرون على داخل المملكة كلها، بدعوى المحافظة على الأمن، وبنى لهم من الميزانية ثكنات كالقصور في كل مكان، وأغدق عليهم من مال التونسيين ما يمكنهم من شراء الضمائر وتكوين العيون في الأسواق، وأحياء القبائل وغياض المزارعين والفلاحين، فتمكن هكذا من الاستيلاء على القطر التونسي استيلاء عسكريا بوليسيا شديدا محكما.
وينبغي ألا ننسى أن الفرنسيين استحوذوا شيئا فشيئا على جميع الميادين، سياسية وإدارة، وتعليما، واقتصادا، وزراعة، وتجارة، وكادوا يقفلونها في أوجه التونسيين، ويحرمونهم من كل نشاط ما عدا الاشتغال كعمال عند الفرنسيين. ولكن التونسيين لم يستسلموا في أي ميدان، وقاوم كل جماعة منهم لإثبات وجودهم وضمان حياتهم، حتى جاء الحزب فوحد الجهود، ونظم الصفوف، واتخذت إذ ذاك المقاومة شكلا جديدا متناسقا لإيقاف ذلك التيار الجارف والموت الداهم.