وكانت الحرب إذ ذاك تطحن القسم الأكبر من آسيا وأوروبا وأفريقيا، والقوات الألمانية في مدها متقدمة قبل أن يأتيها الجزر، وكانت عواطف غالب العالم العربي إلى المحور أميل، وعن الحلفاء منحرفة؛ لما ناله من بعضهم من ظلم وعدوان واستعمار. وقد رأى شعب تونس قوات الجيوش النازية تحتل باريس وترغم أنف فرنسا وتتغلب عليها قهرا في أيام معدودات، فانساق جزء كبير من التونسيين - مثقفين وعمالا وأغنياء - إلى حب الألمان والشماتة بخصمهم المنهار، ولكن الحبيب بورقيبة رأى خطر الاندفاع العاطفي، فعدد الإنذارات إلى تونس وسانده رفاقه المساجين معه لإبعاد التونسيين عن الارتماء في أحضان المحور؛ لأن السياسة الرشيدة لا تقام على العواطف ولا تنقاد للأهواء، ولكنها تسير حسب مصالح الوطن العليا، فماذا تنتظر تونس من المحور غير تقديمها هدية إلى موسوليني. ونحن نعلم ما فعله الإيطاليون عامة والفاشيون خاصة في ليبيا، فليس من الرشد في شيء أن نخرج من استعمار فظيع لنقع في استعمار أفظع، أضف إلى ذلك اقتناعنا بهزيمة المحور، وينبغي لتونس ألا تكون في شق المغلوبين، وقد تحققت تنبؤات الحبيب بورقيبة كلها، فلما أخرجنا الألمان من سجون فرنسا سلمونا إلى الطليان، وجرت محادثات مع المسئولين هناك، فلم نقبل كأساس للمفاوضة إلا الاعتراف حالا باستقلال تونس وتسليم النفوذ بها إلى التونسيين، فأجاب نائب وزير الخارجية الإيطالية: «هل تظنون أن إيطاليا خاضت الحرب لتهب لكم تونس، وهي إنما تريدها لنفسها.» ففسدت العلاقات منذ ذلك اليوم بين القادة الوطنيين وبين الحكومة الإيطالية، ولما رجعوا إلى تونس أسرعوا إلى بث فكرة الحياد، ثم الاتصال مع ممثل أمريكا لدى السلطات التونسية القنصل «دوليتل» خلال واجهة القتال، فكان أكبر عون لهم فيما بعد.
وكان هكذا اختيار القادة لمعسكر الحلفاء - رغم وجود فرنسا بينهم - أكبر ضمان لحياة الحركة الوطنية وبقائها، واستمرارها.
وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى تعالت أصوات الشعوب المغلوبة على أمرها، وصرخ مئات الملايين من البشر مطالبين بحقهم في الحرية والاستقلال، واكتسحت موجة التحرير القسم الأكبر من آسيا، وكأنها توقفت قليلا عند حدود أفريقيا، وكان ميثاق الأطلنطي ثم ميثاق سان فرنسيسكو ثم تأسيس الأمم المتحدة، مبعث الآمال الجسام والدليل على أن الموازنة العالمية قد تغيرت، وأن أوروبا الغربية المستعمرة لم تبق صاحبة الكلمة النافذة والسيطرة المطلقة على البحار السبعة والقارات الخمس، بل أصبحت هي نفسها بين عملاقين عظيمين: روسيا الشيوعية في الشرق، والولايات المتحدة الأمريكية في الغرب.
فما هو حظ تونس يا ترى من هذا الانقلاب العالمي، فقد ساعدت الظروف العالمية بعض الشعوب على نيل استقلالها الأسمى، ولكن الاستقلال الحقيقي لا يوهب ولا يعطى، إنما يؤخذ ويفتك، ولا يحصل عليه من الشعوب إلا من كان أهلا له، وقد قطع الشعب التونسي المرحلة الأولى الأساسية في سيره نحو الاستقلال، فتغلغلت الفكرة الوطنية في نفسه، وبلغت الدعوة جميع الطبقات، واكتسحت المدن والقرى والبوادي، ولم تبق مجرد عاطفة وحماسة واندفاع، بل تبلورت العاطفة في فكرة واضحة جلية، وفهم الشعب في مجموعه أن الروح الوطنية ترمي إلى عمل إيجابي وبناء وتشييد في جميع الميادين، وتكوين قوة فعالة لإنجاز تلك المشاريع، بقدر ما ترمي إلى سد الأبواب في وجه الخصم الاستعماري اللدود ومكافحته دوما واستمرار مكافحة لا تنقاد للبغض الأعمى والكراهية المتنطعة، بل فيها التمييز الواضح بين حاملي الفكرة الاستعمارية وغيرهم من الفرنسيين أنفسهم، وأن لا عدو غيرهم، فيعمل على جلب بقية الجاليات الأجنبية واستمالتها، ويسعى لإقناع الفرنسيين الأحرار ليكونوا أعوانا له ودعاة لقضيته العادلة.