تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن في ذلك لآية لقوم يفقهون، وشاهدا لا يرد على أن شعب تونس شعب نبيل لم تفقده عشرات السنين من العبودية والرق الشعور بالكرامة والشرف، وتلك هي الحقيقة الناصعة، فيمكن لي الآن أن أموت مطمئنا وأنا أعلم أن الكفاح سيستمر سواء كنت موجودا أو معدوما ... وأنه لن يتوقف إلا يوم تصبح تونس وليس فيها غالب ومغلوب وقاهر ومقهور، يوم يفتك شعبها حقه الطبيعي في الحرية وفي الحد الأدنى من الكرامة، الذي من دونه يسقط البشر إلى مصاف الحيوانات العجم.

وأن الكفاح سيستمر حتى بعد ذلك اليوم، ولكنه سيكون كفاحا ضد الجهل والفاقة لرفع مستوى الشعب الأدبي والمادي، إلى أن يصبح عائلة كبرى حرة قوية سعيدة قادرة على القيام بدورها في تقدم البشرية وصعودها إلى نحو مصيرها النير. وأن انتصارنا في الميدان السياسي وإن كان غاية في نفسه من الناحية الأدبية، إلا أنه الوسيلة أيضا التي تمكننا من معالجة المشكلة الاجتماعية معالجة حاسمة.

وليخرج المتطوعون آلافا من صميم ذلك الشعب الذي أقام الدليل للعالم على حيويته وقيمته لتحقيق تلك الغاية العظيمة الشريفة.

| المستعمرون وسلوكهم

(1) المشكلة التونسية عند الاحتلال الفرنسي

نلاحظ أن المشكلة التونسية قد وضعت دائما في ميادين ثلاثة: الميدان الدولي، والميدان الفرنسي، والميداني الداخلي التونسي.

تكونت المشكلة التونسية يوم احتلت فرنسا الجزائر في أواسط القرن التاسع عشر، فأخذت فرنسا تتدخل في شئون تونس شيئا فشيئا تمهيدا للاستيلاء عليها، ولم يتيسر لها احتلالها عام 1881 إلا بعد مناورات دولية دامت أكثر من ثلاثين سنة، وكانت تخشى مزاحمة بريطانيا العظمى لها ومطامع إيطاليا المكشوفة، إلى أن تم الاتفاق مع الإنجليز بمساعدة رجل ألمانيا المحنك «بسمارك» على أن تكون بريطانيا مطلقة اليد في مصر وتكون فرنسا حرة التصرف بتونس، أما إيطاليا فوقع إبعادها بإعطاء بعض الترضيات لجاليتها بتونس.

وهكذا كانت نتيجة وضع المشكلة التونسية في الميدان الدولي، احتلال الجيوش الفرنسية للبلاد وفرض الحماية عليها؛ لأن الدولة الاستعمارية قد اقتسمت العالم في ذلك الحين وتصرفت في الأقطار كما شاءت لها مطامعها؛ إذ القوة بيدها والمال في قبضتها والسياسية العالمية في حوزتها.

وبمجرد استيلاء فرنسا على تونس أصبحت المشكلة التونسية تحتل مكانا ممتازا في السياسية الفرنسية البحتة التي لم تكن واضحة جلية في أول أمرها؛ لأن معاهدة «باردو» لم تحتو على لفظة الحماية، بل أبقت السيادة التونسية كاملة غير منقوصة، وكان المستعمرون ينادون بوجوب القضاء على الدولة التونسية وإلحاق البلاد التونسية بفرنسا مثل ما تم فيما يتعلق بالجزائر. وكان الأحرار الفرنسيون مثل «كليمنصو» ينددون بالعدوان على شعب صديق، ويطالبون بإجلاء الجيوش الفرنسية عن تونس، فاتخذ رئيس الحكومة الفرنسية إذ ذاك «جول فيري» موقفا وسطا وقال: إن فرنسا لا تريد استعمار تونس ولا ترمي إلى إدماج ترابها في التراب الفرنسي، وإن احتلالها لها إنما هو ضمان لبقائنا بالجزائر. فسياسة فرنسا نحو تونس تتلخص حسب عباراته في كلمتين: «لا إلحاق ولا انسحاب.»

أما داخل البلاد التونسية، فقد كانت السياسة الفرنسية تناقض ما قررته الحكومة الفرنسية، وكان أكبر عامل في تبديلها وقلبها هو المقيم العام «بول كامبون» الذي اشتهر بمهارته الإدارية بفرنسا، ففرض على تونس اتفاقية جديدة (اتفاقية المرسى)، واستدرج الحكومة الفرنسية إلى الموافقة عليها، ثم اتخذها أداة للاستيلاء على السيادة الداخلية التونسية وإنشاء إدارة حديثة تكون آلة في قبضته؛ ليتمكن من حكم البلاد حكما فرنسيا مباشرا، فيتصرف في الميزانية لتنفيذ أغراضه، ويشرع في سياسة تنمية الجالية الفرنسية بتشجيع الهجرة ومنحهم الوظائف العامة والأراضي الخصبة، ويسرع إلى تقسيم الثروة المعدنية على الشركات الفرنسية.

تونس الثائرة · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٣