ولأمكن القارئ من فهم الحوادث وأسبابها البعيدة والقريبة، لخصت في فصول ثلاثة الوضع الحالي، وأبنت عن سياسة فرنسا الاستعمارية وسلوك جاليتها، وعن قوة الحركة الوطنية ونظامها، وعن النظم التي فرضها الاستعمار على الدولة التونسية، ثم تحدثت عن «التجربة التونسية» عندما دخلت تونس في مفاوضات رسمية مع فرنسا لتحقيق استقلالها، وعن نكث حكومة فرنسا تعهداتها، وعن العدوان المسلح ضد شعب تونس الأعزل. فكانت الثورة الدامية المستمرة، وتطور الكفاح التونسي تطوره الطبيعي، وكانت الأدوار السياسية تماشي الثورة الدامية.
وليس لشعب تونس جيش مسلح يقف أمام الجيش الفرنسي، ولكن له إيمانا بحقه في الحياة وحقه في أرضه ووطنه، فرفض في وحدة قوية شاملة كل تعاون مع السلطات الاستعمارية، إلى أن استحال على الحكومة الفرنسية أن تجد من بين التونسيين من يقبل تشكيل الوزارة بعد أن استقالت الوزارة التونسية (15 يونيو 1954) وبقيت تونس من غير حكومة أصلا.
ولقد وجدت تونس من يقودها في كفاحها المرير، أمثال صالح بن يوسف والمنجي سليم، وعلى رأسهم الحبيب بورقيبة رئيس الحزب الحر الدستوري التونسي الذي كان خارج تونس عندما شرع الاستعمار الفرنسي في عدوانه، فلم يقبل نصائح الأصدقاء الذين حذروه من الخطر على حريته وحياته، فرجع إلى وطنه إبان محنته ليقاسم الشعب آلامه وتضحياته.
وكانت رسائله تأتيني من منفاه بجزيرة جالطة، ثم من جزيرة «جروا» بفرنسا تحمل إيمانا وآمالا، فقد كتب لي بتاريخ 1 / 10 / 1951 قال:
أخي العزيز ورفيقي الأمين وعضدي المتين الأستاذ علي البلهوان
أخذ الله بيده وأعانه على أمره وجعل التوفيق حليفه.
وبعد، فقد استلمت رسالتك اللطيفة المؤثرة التي ما أتيت على آخر سطر منها حتى اغرورقت عيناي بالدموع؛ دموع السرور والفخر والامتنان؛ الامتنان إلى الله - عز وجل - الذي أحاط هذه الحركة المباركة النزيهة المخلصة برجال يعترفون بالحق لذويه، يعملون آناء الليل وأطراف النهار بكل ما أتوا من حكمة وخبرة وإخلاص لإعلاء دين الله وإعزاز عباده وإنقاذ دار من ديار الإسلام من هوة الذل والاستعباد، صابرين على المكروه صامدين في وجه العدوان، حتى يدركهم الله بنصره الذي وعد به عباده الصالحين.
وقد اخترت من رسائله واحدة؛ لأنها تبين قيمة الزعيم المعنوية، وتبلور عواطف وأفكار شعب كامل حول شخصه. فكتب لي من جزيرة «جالطة»:
الحمد لله وحده
جزيرة جالطة، يوم الجمعة 11 يوليو 1952
عزيزي علي
لشد ما تأثرت ببرقية الطيب والرشيد، وكذلك ببرقية صالح ومحمد وعلال، وكنت أود أن أجيب بنفس اللهجة، ولكن لم يكن ذلك في إمكاني، وحملت إلي برقية من مراد نفحة من الآمال ... وأتتني برقيات جميلة من الطلبة التونسيين من باريس ودمشق تحمل معاني التكتل الوطني وعزم الشبيبة الناشئة الثابت؛ أي ضمان الدوام والاستمرار الذي لا يبلغ الإنسان من دونه غاية. وهل أحدثك عن مئات ومئات البرقيات والرسائل والبطاقات من جميع السجون، ومن جميع المعسكرات، ومن أبعد جهات تونس؛ كلها تتدفق وطنية وتنبئ عن حالة أدبية أشد ما تكون ارتفاعا وقوة وإيمانا لا يتزعزع بالنصر النهائي. فإن كان جسمي مقيدا محكوما عليه بالعزلة، وكانت القوة القاسية فرقتني عن إخواني؛ فقد عجزت عن منع قلوب شعب كامل وأفكار أبنائه أجمعين من مؤانستي في غربتي والاتجاه نحو منفاي فوق صخرتي. وتلك أجمل تسلية وأعظم جائزة كنت أؤملها في محنتي، وهو انتصار جبار من الناحية الأدبية لا يلبث أن يتجسم - وهو لا محالة سيتجسم طال الزمان أو قصر - في الميدان السياسي.
وكانت رسالتك - بتاريخ 27 يونيو - أشد وقعا على نفسي وأعمق تأثيرا، فاهتززت لها اهتزازا؛ لإيجازها وصراحتها وما حملته من عواطف.
فقرأتها عشر مرات، بل مائة مرة من غير ملل، وهي أمامي الآن وسأحملها معي دائما؛ لأنها أصدق مثال لأجمل وأعظم وألطف وأشرف وأصفى وأنقى ما يشعر به قلب بشري. حقا لم أعش من أجل نفسي وما تحمل كلمة نفس من أثرة، وقد كنت منذ بداية نشأتي أتبع كلمة خالدة قرأتها وأنا صغير: «عش للغير، لا لنفسك.» وعندما عشت لفائدة الغير وجدت أني اخترت أحسن طريقة لأحيا لنفسي، ولكنني لم أكن الوحيد الذي اختار ذلك الطريق في الحياة، ولو كنت الوحيد لما أمكن لي أن أبني بناء صحيحا يدوم ويبقى، وكان من حسن حظي - بل من حسن حظ الشعب التونسي - أني جمعت حولي جماعة من الشباب من ذوي الحزم والعزم، استأثروا بنكران الذات والمقدرة، واعتقدوا اعتقادي بأن الحياة لا تستحق أن يحياها الإنسان إن لم ينرها بنور التضحية الكاملة في سبيل مثال أعلى من الحرية والعدالة والأخوة البشرية.