تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورأى الأستاذ البشير صفر الذي حمل المشعل حقبة من الزمن أن يوجه عنايته إلى الشباب ويوجهه نحو الثقافة والعلم واستكمال الوعي القومي، بما كان يلقيه من محاضرات في معهد الخلدونية الذي أسسه لهذا الغرض، وكان لتعاليمه أعمق الأثر حتى عده الشعب أبا النهضة الحديثة في تونس.

وكان علي باش جانبه أول زعيم قومي قاد الحركة الوطنية وأسس دعائمها، فكتل حوله الشباب المثقف، وأصدر أول جريدة قومية (التونسي) سنة 1904، وأخذ يوالي فيها الحملات على الاستعمار الفرنسي، ويفند اعتداءاته ويفضح مؤامراته وسلبه لخيرات البلاد واستيلائه على السيادة التونسية وطغيانه وبطشه. وقد تأثر إلى حد بعيد بحركة الشباب العثماني، فكان لحملاته الصحفية ولاجتماعاته الشعبية صدى عميق أيقظ الشعور القومي وبث روح المقاومة في جميع الطبقات. وقد اقتصر عمله على أمور سلبية من ردع الظلم وإرجاع بعض الحقوق إلى أهلها والمطالبة بإعطاء التونسيين حقوقهم المسلوبة.

وقد عم القلق العاصمة التونسية وتبرم الشعب من الاعتداءات الفرنسية، وتوترت العلاقات مع الإيطاليين الذين أعلنوا عن نواياهم في الاعتداء على طرابلس، فبات الجو ينذر بالشر والانفجار القريب. ولما أرادت السلطات الفرنسية أن تستولي على قطعة من مقبرة «الجلاز» الإسلامية وحاولت تسجيلها (7 نوفمبر 1911) هب الشعب من كل صوب وسار في مظاهرات صاخبة مدافعا عن قبور أجداده وأجداث آبائه، واندلعت الثورة دامية شديدة ودارت المعارك في المقبرة وحولها، ثم شملت المدينة كلها، فانهزم الشعب الأعزل في آخر الأمر بعد مقاومة دامت أياما أمام القوات العسكرية المنظمة المسلحة، فنصب الفرنسيون المشانق في ميدان باب سويقة وشنقوا جماعة من الوطنيين من بينهم أحد أبطال الثورة «الجرجار» الذي بقيت صورته حية راسخة في الأذهان، لما أظهره من شجاعة في المعركة، فقتل بنفسه عددا من رؤساء مراكز البوليس الفرنسي وأتباعهم من الشرطة، ومن رباطة جأش وسخرية من الموت عند المشنقة.

وبعد إخماد الثورة أسرعت السلطات الفرنسية إلى تعطيل جريدة «التونسي» وإلقاء مسئولية الحوادث على «علي باش جانبه» وصحبه، وإلى إعلان الأحكام العرفية، وتسليط الحكم العسكري على البلاد التونسية، وقد استمرت تلك الأحكام إلى عام 1922.

ولكن الإرهاب لم يفت في ساعد شعب متعطش إلى الحرية والعدالة، وكان إضراب عمال الترام سنة 1912 فرصة سانحة لإظهار غضبه، فآزرهم ضد الشركة الأجنبية التي كانت تستثمرهم استثمارا، وقاطع ركوب عربات الترام عندما عوض الجنود الفرنسيون العمال المضربين، بل منع بالقوة كل من أراد ركوبها، وأخيرا سجل انتصارا عندما حصل العمال على مطالبهم، وهو انتصار صغير في ميدان ضيق، ولكن مفعوله كان عميقا إذ أحيا الجذوة المشتعلة، وقوى الأمل وأعطى درسا مفيدا للمستقبل بأن النصر وليد الاتحاد.

فأرادت السلطات الفرنسية إذ ذاك أن تقضي على الحركة الوطنية الفتية، حتى يخلو لها الجو من كل معارضة عند تنفيذ خطتها الاستعمارية، فنفت أقطاب الحركة إلى الخارج وتوجهوا إلى الآستانة واستقروا بها، ما عدا الأستاذ عبد العزيز الثعالبي الذي ذهب إلى باريس بعد أن أمضى بعض أشهر في الجزائر.

وأكرمت الدولة العثمانية وفادة جميع التونسيين المنفيين وأعانتهم على متابعة كفاحهم في الخارج، وأسندت إلى بعضهم مناصب عالية ليسهل عليهم العمل في سبيل استقلال وطنهم. ومن أبرز تلك الشخصيات «علي باش جانبه»، والشيخ صالح الشريف، والشيخ إسماعيل الصفائحي. أما الأستاذ محمد باش جانبه أخو علي باش جانبه، فإنه أسس بسويسرا لجنة «تونس جزائرية» وأصدر باسمها مجلة «المغرب» التي تصدت للدفاع عن شعوب المغرب وحقوقها، وقد توفي ببرلين وحيدا فريدا بعد كفاح طويل مرير، ولم يحضر دفنه غير الأمير شكيب أرسلان، رحم الله الجميع رحمة واسعة. وكان أمير البيان يزور قبر صديقه في الجهاد كلما مر ببرلين، ويتأسف لرؤيته مهملا مبعثر الأحجار.

تونس الثائرة · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ٢٠