إن المشوشين نظموا صفوفهم ليزرعوا البغضاء ويهدروا الدماء، فلا تصدعوا آذاننا في هذه الآونة بإصلاحات أو تنازل ... أو معامل الحلفاء أو مصالح.
ولا تستهزئوا بنا بدعوى الاعتبارات السياسية العليا وهيئة الأمم المتحدة، وأمريكا وأوروبا والقمر والملائكة، وورق العملة وورق ... الحلفاء.
إن كان ذلك صحيحا فيما يتعلق بتونس، فهو صحيح أيضا بالنسبة لمراكش.
فقد تطلب محق المجرمين هناك ثلاثة أيام ... فهل يتطلب هنا ثلاثة أعوام؟!
فليس في الأمر حقيقتان، بل في فرنسا حكومة واحدة، وبشمال أفريقيا محميتان.
فلأي سبب لم نصل إلى نفس النتائج في نفس الوقت؟
وهكذا نرى الجالية الفرنسية تفقد أعصابها ويذهب عنها رشدها، عندما يصادم الواقع أوهامها ويقضي على أطماعها ويهدد مصالحها، فيعتريها ضرب من الجنون الإجرامي ويسير شعب تونس بين هؤلاء المجانين العطشى لدماء الأبرياء وبين فرنسا المتشبثة بأحلامها الاستعمارية.
| الحركة الوطنية
تاريخها، مبادئها، نظامها (1) الحركة القومية
لم تتكون الحركة التونسية من العدم، ولم تتولد بين عشية وضحاها، بل نشأت وترعرعت وتطورت خلال قرن كامل تقريبا، حتى أصبحت كما نشاهدها اليوم تجمع شعبا بأسره في وحدة متينة، وتسير به في كفاح دموي مرير دام عامين ضد قوات استعمارية مسلحة بأحدث أنواع السلاح العصري.
وليس غرضنا كتابة تاريخ تلك الحركة بالتفصيل، ولكن بسطة موجزة تعين على فهم ما يجري بتونس اليوم من جهاد.
بدأت نهضة تونس وسعيها في التخلص من كل نفوذ أجنبي في أواسط القرن التاسع عشر، فأصدر ملكها إذ ذاك محمد باي (9 سبتمبر 1857) «عهد الأمان» الذي يعتبر إعلانا لحقوق الإنسان وللمبادئ الديمقراطية من مساواة بين الأفراد وحرية شخصية، وحرية الأديان، وعدالة الجبايات، والذي كان مقدمة للدستور التونسي الصادر في 1860، ولما اعتلى خير الدين باشا المعروف بعبقريته السياسية كرسي الوزارة (1873) أسرع إلى إدخال النظم الحديثة على الدولة التونسية، وشمل بإصلاحه الإدارة العامة والمحاكم الشرعية والمدنية والتعليم والصحة والاقتصاد والزراعة، وكانت تلك المؤسسات - وخاصة المدارس العصرية الثانوية والعليا - نواة صالحة وبذورا طيبة أنبتت شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكانت أساسا للنهضة والتقدم السريع الثابت في خطاه رغم جميع العراقيل الاستعمارية، حتى رأينا موجة من الأعماق تكتسح شعب تونس وكأن الحياة التي كان تيارها يجري ببطء، بل اختفى أحيانا كما تختفي الأنهار تحت الرمال، تدفقت من جديد وظهرت مياهها أصفى وأغزر ، وإذا بها تيار جارف لا يقدر الاستعمار الفرنسي البالي على إيقافه أو تعطيله.
لقد ابتدأت المقاومة التونسية للاستعمار الفرنسي يوم وضع أول جندي فرنسي رجله على أرض الوطن، وكانت من ذلك اليوم تكتسي قالبين، فتارة تكون ثورة عامة أو محلية وطورا تكون حركة سياسية صرفة، وفي بعض الأحيان تتخذ القالبين معا.
فبينما كانت قبائل خمير الشمالية ومدن صفاقس والقيروان تحارب الجيش الفرنسي المعتدي عام 1881، كان الأستاذ محمد العربي زروق يقاوم النفوذ الفرنسي في البلاط التونسي ويطالب الملك ووزارته بإعلان الحرب على فرنسا، وإصدار الأمر للقوات المسلحة التونسية برد هجمات القوات الفرنسية، ويرسل أمامهم كلمته الخالدة:
أن نموت أحرارا دفاعا عن شرفنا وشرف وطننا أحسن من الحياة في العبودية والذل.
ثم إنه قاوم توقيع معاهدة (باردو)، ولما وقع الملك على تلك المعاهدة اختفى العربي زروق فرارا من انتقام الوزير الخائن مصطفى بن إسماعيل، وبعدها هاجر إلى الشرق.
وقام بعده الشيخ محمد السنوسي الذي كان لسان المعارضة التونسية للحماية الفرنسية، واتخذ من منصبه في أمانة العاصمة مركزا يرد منه تدخل السلطات الفرنسية في شئون تونس حتى حكم عليه بالنفي.