تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأثارت أعمال «دي هوتكلوك» القسم الحر من الرأي العام الفرنسي الذي رأى فيها المعول الأكبر للقضاء على مستقبل فرنسا بشمال أفريقيا. وأخذ الصحفيون الفرنسيون في تحليل السياسة الفرنسية بتونس، يفضحون عيوبها، ويوجهون أشد الانتقادات إلى الحكومة الفرنسية على عجزها وتسويفها وجمودها المجرم. ولنقتطف بعضها كمثال للباقي:

قال دوران إنقليفيال في مقال افتتاحي نشره بجريدة «البتي متان»: «لقد لاقى الشعب التونسي أتعابا وآلاما، حتى توصل إلى إلفات الرأي العام والحكومة في فرنسا إلى قضيته.

ولقد نضجت المطالب التونسية نضجا واضحا منذ زمن طويل ... والمطالب عندما تكون مشروعة يجب أن تطالب بالترضية بدون أي شروط أو تأجيلات.

ولكن ما معنى كلمة المشروعية هذه؟ إنني أخشى هنا ألا تكون نظرة مسيو بيني

4

قوية واضحة بالقدر الذي عليه تصريحاته مثلا.

نعم إن مؤرخي الجمهورية الرابعة سوف لا يلاقون أي صعوبة أو مشقة في وجود الأكاذيب اللازمة لمغالطة الشعوب في المستقبل، وتبرير هذه الأكاذيب بما يتطلبه لها التاريخ، ولكن اليوم وفي الوقت الحاضر توجد مواقف مدققة تفرض نفسها على فرنسا ولا تستطيع أن تتملص منها، بل واجبها أن تقدم إلى الأجيال الحاضرة برهانا عن طيب نيتها وعن إخلاصها.

أريد أن أقول إنه لا يكفي الحديث وحده عن مطالب مشروعة، بل يجب أن نبرهن على أننا نعترف بمشروعيتها.

وإذا كانت الحكومة الفرنسية ومجالسها الوزارية الموسعة أو المضيقة لم تستطع أن تقدم إقداما صريحا في هذا الشأن فمن ذا الذي يا ترى سيفعل ذلك في مكانها؟

ثم ما هي المسألة كلها منذ ستة أشهر؟ إنها منحصرة في أن تعترف الحكومة الفرنسية لتونس بحقها في الاستقلال الداخلي.

وهذا المطلب المشروع يتتبع عدة مطالب أخرى مشروعة أيضا، كالاعتراف بالسيادة الملكية وللشعب التونسي بحقه في حكم نفسه بنفسه باتفاق مع جلالة الباي.»

وقد حملت جريدة «كومبا» الباريسية مسئولية الحوادث الحكومة الفرنسية، فقالت: «إن وزارة شنيق كانت قد قدمت هذه المطالب عندما أجرت المفاوضات الفاشلة بباريس طيلة ثلاثة أشهر، ولما تم فشلها نشأت الاضطرابات في المملكة التونسية، وظلت تتفاقم يوما فيوما، وقد وقفت المذكرات، ولا أمل في أن تسفر الشروط التي فرضتها الحكومة الفرنسية لاستئناف المفاوضات عن رجوع الهدوء إلى نصابه. ويبدو أن الحكومة الفرنسية لم تؤمن بصورة قطعية ودون تلعثم أن معاهدتي الحماية لسنة 1881 في تونس و1912 في مراكش أصبحتا معاهدتين باليتين؛ فقد أحدث الزمن تغييرات جوهرية عميقة في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالقطرين، وقد تمت هذه التغييرات ولا شك بفضل المجهود الجبار الذي بذلته فرنسا.

فهل تنوي الحكومة الفرنسية أن تستخلص من ذلك في المستقبل الفوائد المادية والأدبية، أم هل ستقضي على هذا العمل بما تتمسك به من نظرية خاطئة للجاه والنفوذ والناموس، وبما لا تزال آخذة به من جهل بالظروف الجديدة التي كونتها، وتقتضي السياسة الفرنسية الرشيدة التي تريد المحافظة على الأمور الجوهرية بإقبالها على ما لا مناص منه، أن تدخل في اتصالات مع العناصر الممثلة للتونسيين والمغاربة، وتشرع معهم في محادثات مخلصة نزيهة. ... إن الجمود هو القانون الوحيد الذي تسير عليه الحكومات الفرنسية منذ سبع سنوات، سواء في الداخل أو في الخارج، وقد كبدتنا هذه السياسة أثمانا أفدح من أن يمكن نسيانها.»

وكان النائب بالبرلمان الفرنسي «جاك فونلبت إسبرابير» حاضرا بتونس أثناء اعتقال الوزراء التونسيين وأعمال القمع الوحشية، فثارت ثائرته على المقيم العام وفضح فظائعه في أول جلسة للبرلمان الفرنسي (أول أبريل 52) قال: «لقد عشت أخيرا هناك (في تونس) بعض الأيام المؤلمة، وأريد أن أقول من غير أن أرفع صوتي وأقوي لهجتي أن تلك الأيام كانت أيام مهانة وخزي بالنسبة لي.

تونس الثائرة · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٣٨