تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت الأزمة التونسية تزداد شدة يوما بعد يوم، وتستفحل المشكلة وتستعصي على كل حل، واتخذت قالب مسابقة بين القوات الوطنية التي تجمع في الحقيقة الشعب بأسره وبين القوات الفرنسية المعتدية، وأقام شعب تونس الدليل لفرنسا على استحالة حكم تونس بالقوة وحدها. وقد لخص الكاتب الفرنسي الحر الذي يعيش بتونس منذ عشرات السنين - الأستاذ دوران إنقليفيال - الحالة في ذلك الإبان، فقال:

سألت أحد حراس الأمن - وكان قد ابتل بالمطر حتى أثقل - عما إذا كان سيأوي إلى بيته في هذا اليوم مبكرا، فأجابني بقوله: «ومن يستطيع أن يعرف ذلك؟ ليست الرغبة في العودة إلى منزلي هي التي تنقصني، ولكن ...» ثم أضاف: «إن الصمت يطغى على كل شيء. وأشهد أن هذا هو نفس شعوري بالضبط، إننا محاطون بالصمت، بل إنه يثقلنا حتى ليكاد يزهق منا الأنفاس، وإذا قدر لنا أن نسمع شيئا فهي أصوات الانفجارات في الشمال وفي الجنوب، ثم يعود الصمت من جديد، صمت الدوائر الحكومية التي أصبح فراغها مريعا، ولعلنا نستطيع القول: إن هذا الصمت هو سبب الانفجار.

فبين فرنسا وتونس يظهر أنه يوجد نوعان من المحادثات، وإن كنا لسنا على يقين من ذلك؛ أحدهما سري يقوم به أناس سريون أيضا، وهدفه هو إيجاد الإصلاح والبحث عن اتفاق، ولكن الصمت حول هذا النوع من المحادثات ما يزال مخيما أيضا، وهذا ما يبعث القلق والدهشة في كل مكان. وفي مقابل ذلك نعرف النوع الآخر من المحادثات، النوع المعروف المشهور والذي يتحدث به كل أحد في الطريق، وهو عبارة عن طلقات من النار والقنابل والرشاشات والقنابل اليدوية والهجوم والدفاع والتراجع والانتقام، وهو التسلسل الذي لا حد له ولا نهاية.

فمن الطبيعي أن يكون الأبرياء الذين كثيرا ما يكون الدفع على حسابهم، فيوجد في هذه البلاد التونسية جنود فرنسيون لا يعرفون لم تركوا مدنهم وقراهم بفرنسا، ويوجد تونسيون وطنيون يمرون من هنا وهناك وإذا السجون ملأى بالمعتقلين.

إن هناك تسابقا طويل المدى بين حركة المقاومة الوطنية الشعبية وبين حركة القمع البوليسي، وكل حركة متعلقة بالأخرى دون أن تعرف أي منها كيف يوضع حد لحركة الفناء.

ولست هنا في معرض النقد لإجراءات الأمن المتخذة، ولكن من المفيد أن نعترف أن كل ما بذل حتى الآن في سبيل المحافظة على هذا الأمن قد كان عبثا ونفخة في واد، بل الغريب أن حركة المقاومة تتضاعف وتنتشر بقدر ما تشتد قوات الأمن وتعنف، وشيوخ الاستعمار في هذه البلاد أخذوا يتفطنون لهذه الظاهرة الجديدة، وهي أن تونس لم تعد تحكم بالقوة.

فما العمل إذن؟ هل نستمر على تقتيل بعضنا بعضا؟ وعلى العيش تحت التهديد اليومي والخطر الداهم الذي يرقبنا في كل طريق وفي كل منعرج؟

هل تبقى الثروات التونسية والسكان في هذا الخطر المحدق الذي لا تغمض له عين، إلى أن يقضى على كل وسيلة من وسائل التنقل والسفر، وعلى كل عمل في المصانع وعلى كل زرع في الحقول.»

| الاعتداء على الوزارة التونسية

(1) تدبير العدوان

ظنت الحكومة الفرنسية في أول الأمر أن القضية التونسية قد دحضت، وأن هيئة الأمم المتحدة لن تشتغل بها، ولن تعيرها أهمية، ولن تسجلها في جدول أعمالها، وأن الخلاف التونسي الفرنسي سيبقى محصورا في الدائرة الفرنسية البحتة، فهلل المستعمرون وكبروا، وحبروا المقالات وأطالوا، واستعانوا برجال القانون الفرنسيين؛ ليثبتوا أن ذلك الخلاف ليس من اختصاص هيئة الأمم. ولكن سرورهم لم يطل وفرحهم لم يدم، وسرعان ما دخلت عليهم الحيرة، والاضطراب، وشكوا في انتصار باطلهم، وأوجسوا خيفة من الكتلة العربية الآسيوية عندما تكونت لاحتضان قضية تونس وتقديمها لهيئة الأمم، والدفاع عنها، وقد قررت الكتلة رفع القضية إلى مجلس الأمن، وكانت رئاسته قد أسندت لممثل الباكستان السيد البخاري لشهر أبريل 1952، فأسقط إذ ذاك في يد الحكومة الفرنسية التي لم تنظر إلى المستقبل البعيد، ولم تتلاف أغلاطها الفادحة، فأصبحت بين أمرين كلاهما يجر وراءه العار والخيبة، فإما استنكار سياستها الغاشمة وتكذيب نفسها بنفسها بمنح التونسيين حقوقهم والرجوع إلى سواء السبيل وفاء بالوعود التي قطعتها، وإما إضافة عدوان جديد إلى العدوان القديم، وزيادة في التنكيل والقمع والإجرام، والتمادي في الفتك لفرض تحويرات على الدولة التونسية تجعل لفرنسا والفرنسيين حق المساهمة في سيادتها والاشتراك في منظماتها، فرأت الحكومة من المهارة السياسية أن تضع مجلس الأمن أمام الأمر المقضي بأن تزيل الوزارة الشرعية التونسية التي رفعت قضية تونس إلى هيئة الأمم، والتي لم ترد سحبها رغم جميع الجهود الفرنسية والضغط الاستعماري المستمر، فتعوضها بوزارة أخرى سهلة الانقياد ممتثلة لأوامر فرنسا، وكانت تظن أنها ستنهي المشكل التونسي بهذا العدوان المدبر، فلا يبقى لدى مجلس الأمن ما يبرر تدخله في الخلاف التونسي الفرنسي؛ إذ تكون الوزارة التي رفعت الدعوى قد أبعدت عن الحكم.

تونس الثائرة · الصفحة ١٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١٣٢