تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تونس في 1 فبراير 1952

من الوزير الأول للمملكة التونسية إلى السفير المقيم العام لفرنسا بتونس

الموضوع: حوادث الدخلة - تقرير التحقيق وضعه معالي وزير الدولة ومعالي وزير الصحة العامة

صحبة هذا نسخة من ذلك التقرير

تبعا لرسالتي عدد 45 ب م/س ا ب بتاريخ 6 فبراير 1951 أتشرف بإبلاغكم صحبة هذا نسخة من التقرير الذي وضعه معالي الدكتور الماطري والدكتور ابن سالم، وقد كلفا بإجراء بحث رسمي على العين فيما يتعلق بحوادث الدخلة.

ويؤسفني أنكم لم تروا ما أوعزت لكم به من إرسال من يمثلكم ليشارك في ذلك البحث؛ إذ إنه كان يأتي بارتسامات مباشرة عن المنظر المؤلم الذي ظهر للباحثين، ولا يمكن إلا أن يتراءى بصفة غير تامة خلال ما في تقرير كتابي من جفاف.

الإمضاء: محمد شنيق

وتأثر جلالة الملك محمد الأمين الأول تأثيرا عميقا لما بلغه ما جرى في جهة الدخلة، وسعى حالا في إيقاف موجة الإرهاب الفرنسية بما لديه من وسائل، فأرسل عن طريق وزيره الأول برقية إلى الحكومة الفرنسية هذا نصها:

إن جلالة الملك المعظم قد تأثر كل التأثر من صرامة تدابير القمع الجارية الآن التي تسببت في عدة اعتداءات خطيرة على سلامة الأشخاص والمكاسب وعلى مباشرة السيادة التونسية، وقد تولت الحكومة التونسية إنهاء بعض الاعتداء إلى جناب السفير المقيم العام.

ونشرت تلك البرقية مع تصريحات الحكومة التونسية على الصحافة، فكانت رد فعل واضح على اعتداءات الفرنسيين.

لقد ظنت السلطات الفرنسية أن ما استعملته من عنف وما نشرته من تخريب ونهب وتنكيل وتقتيل، سيبعث الرعب والخوف في قلوب التونسيين، ويوقف تيار الوطنية فيهم، ويصدهم عن متابعة كفاحهم في سبيل حريتهم واستقلالهم؛ فيخفتون صوتهم ويختبئون في بيوتهم ويستسلمون استسلاما كليا للقوة الجبارة. وإذا بالآية تنعكس ويكذب شعب تونس آمال المستعمرين ويسفه أحلامهم ويحبط مؤامراتهم الدنيئة ويثبت أن قوة الحديد والنار لا توقف تيار الشعوب إذا أرادت الحياة.

ولم تضيع مدن الدخلة الجريحة ولا قراها المكلومة وقتها في النحيب والعويل، بل لم تفارقها القوات المعتدية حتى هب السكان جميعهم وقاموا بمظاهرات صاخبة محتجين ومعلنين لعزمهم على متابعة الكفاح.

وهب الشعب التونسي بأسره لمؤازرة المنكوبين والمضطهدين، وبمجرد ما وصلت إلى العاصمة أخبار الفظائع تكونت بها «لجنة إغاثة قومية» فأصدرت نداء للتونسيين ليؤازروا منكوبيهم، فتدفقت الإعانات من مال ولباس وطعام، وسارت القافلة الأولى نحو الدخلة بعد يوم وليلة، وتوالت إثرها القوافل، وازدادت حركة التآزر اتساعا يوما بعد يوم، ولم ينس منها الوطنيون المحرومون من حرياتهم سواء أكانوا بالسجون أم بالمعتقلات، وشملت جميع المنكوبين في القطر كله، وهبت كل مدينة تمون ما اقترب منها من معتقلات، ولنأخذ بعض الأمثلة من مئات: فقد كون الفرنسيون محتشدا ب «زعرور» قرب «ماطر» التي أخذت في تموينهم مرة بعد مرة، من جملتها يوم 10 مارس 52 وأصدرت لجنتهم الفرعية البلاغ الآتي: «لم ينس الماطريون إخوانهم المعتقلين بمحتشد «زعرور» رغم الظروف التي يجتازونها، فأرسلوا إليهم في سبيل الإغاثة 100 كيلو سكر، 100 كيلو صابون، 100 علبة سردينة، 400 علبة سجائر وكبريت، 500 كيلو برتقال، 50 خروفا، 200 كيلو خبز، 30 علبة فلفل، 10 آلات حلاقة، 200 شفرة للحلاقة، 200 ورقة وظرف للرسائل، 20 علبة شمع، 25 كيلو مربى، 5 كيلو قهوة، 3 أرطال نشوق، 2 كيلو فلفل مسحوق.»

وفي يوم 11 من الشهر نفسه أخذت مدينة جرجيس في الجنوب تستعد لإغاثة معتقل «جلال»، وقالت لجنتها الفرعية للإغاثة بتاريخ 12 مارس (عن جريدة الصباح التونسية): «تتأهب جرجيس لأخذ قسط وافر لإغاثة المنكوبين والمبعدين بالخصوص بجلال قرب (بنقردان)، فقد شرع الأهالي في جمع إعانة ذات بال شارك فيها التجار والموظفون والفلاحون من سوق جرجيس، وقد نجحت بفضل أصحاب الضمائر الأبية.»

تونس الثائرة · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تونس الثائرةص ١١٧